تفسير سورة فصّلت

لطائف الإشارات
تفسير سورة سورة فصلت من كتاب تفسير القشيري المعروف بـلطائف الإشارات .
لمؤلفه القشيري . المتوفي سنة 465 هـ

سورة فصلت
قوله جل ذكره: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» أفلج من عرف «بِسْمِ اللَّهِ»، وما ربح من بقي عن «بِسْمِ اللَّهِ».
من صحب لسانه «بِسْمِ اللَّهِ» وصحب جنانه «بِسْمِ اللَّهِ» كفى له شفيعا «بِسْمِ اللَّهِ» إلى من يعيذنا بذكر «بِسْمِ اللَّهِ».
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢)
بحقي وحياتى، ومجدى في صفاتى وذاتى.. هذا تنزيل من الرحمن الرحيم.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣]
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)
بينّت آياته ودلالاته.
«قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» : الدليل منصوب للكافة ولكنّ الاستبصار به للعالمين- دون المعرضين الجاحدين.
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤]
بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)
«بَشِيراً» : لمن اخترناهم واصطفيناهم.
«وَنَذِيراً» : لمن أقميناهم، وعن شهود آياتنا أعميناهم.
«فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ..» عند دعائنا إياهم، فهم مثبتون فيما أردناهم، وعلى ذلك
(الوصف) «١»
علمناهم «٢»
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٥]
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥)
قالوا ذلك على الاستهانة والاستهزاء، ولو قالوه عن بصيرة لكان ذلك منهم توحيدا «٣»
، فمنوا بالمقت لما فقدوا من تحقيق القلب.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٦ الى ٧]
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧)
إنما أنا بشر مثلكم في الصورة والبنية، والذات والخلقة. والفرقان بينى وبينكم أنّه يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد فالخصوصية من قبله لا من قبلى، ولقد بقيت فيكم عمرا، ولقيتمونى دهرا.. فما عثرتم منى على غير صواب، ولا وجدتم في قولى شوب كذاب. وأمرى إليكم أن استقيموا في طاعته، واستسلموا لأمره.. وطوبى لمن أجاب، والويل لمن أصرّ وعاب!.
(١) سقطت (الوصف) من ص وهي موجودة في م.
(٢) روى أن قريشا اختارت عتبة بن ربيعة كى يعرض على النبي (ص) أن يكف عن سب آلهتها وتسفيه أحلامها مقابل رياسة أو مال.. إلخ وظل يتحدث، فى ذلك حتى انتهى، وعندئذ سأله النبي (ص) : أفرغت يا أبا الوليد؟
قال: نعم.. فقال: اسمع.. بسم الله الرّحمن الرّحيم. حم تنزيل من الرحمن الرحيم. كتاب فصلت....»
إلى قوله تعالى: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود» فوثب عتبة، ووضع يده على فم النبي وناشده ليسكتن... ثم مضى إلى قريش فأنبأها بما سمع، وأقسم ألا يكلم محمدا أبدا، لأن ما سمعه ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر.. ثم أردف: ولقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لا يكذب.. [.....]
(٣) لأنه يكون حينئذ اعترافا منهم بوجود غطاء من ظلمة البشرية يحجبهم عن حقيقة الأحدية، ويكون اعترافهم بقصورهم بداية لاستمدادهم لفضل من الله.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٨]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)
«آمَنُوا» : شاهدوا، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : لازموا بساط العبودية.
«آمَنُوا» : شهدوا الحضرة، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : وقفوا بالباب.
«آمَنُوا» : حضروا، «وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» : بعد ما حضروا لم ينصرفوا.
«لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» : غير منقوص «١»
فأجر النفوس الجنة، وأجر القلوب الرضا بالله، وأجر الأرواح الاستئناس بالله، وأجر الأسرار دوام المشاهدة لله.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٩]
قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)
خلق الزمان ولم يكن قبله زمان، وخلق المكان، ولم يكن قبله مكان فالحقّ- سبحانه- كان ولا مكان ولا زمان فهو عزيز لا يدركه المكان، ولا يملكه الزمان.
«وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً».. وكيف يكون الذي لم يكن ثم حصل «٢»
ندّا للذى لم يزل..
ولا يزال كما لم يزل؟ ذلك ربّ العالمين.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ١٠]
وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)
الجبال أوتاد الأرض في الصورة، والأولياء أوتاد ورواس للأرض في الحقيقة.
(١) يقال مننت الحبل إذا قطعته، ومنه قول ذى الإصبع:
إنى لعمرك ما بابى بذي غلق على الصديق ولا خيرى بمنون
وقيل نزلت الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة كتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعملون.
(٢) الذي لم يكن ثم حصل هو الحادث، المخلوق من العدم.. كيف يكون ندا للقديم الأزلى السرمدي؟!
م (٢١) لطائف الإشارات- ج ٣-
«وَبارَكَ فِيها» : البركة الزيادة.. فيأتيهم المطر ببركات الأولياء، ويندفع عنهم البلاء ببركات الأولياء.
«وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها» : وجعلها مختلفة في الطّعم والصورة والمقدار. وأرزاق القلوب والسرائر كما مضى ذكره فيما تقدم.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ١١]
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)
«اسْتَوى» أي قصد، وقيل فعل فعلا هو الذي يعلم تعيينه «١».
ويقال رتّب أقطارها، وركّب فيها نجومها وأزهارها.
«فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» : هذا على ضرب المثل أي لا يتعسّر عليه شىء مما خلقه، فله من خلقه ما أراده. وقيل بل أحياهما وأعقلهما وأنطقهما فقالتا ذلك. وجعل نفوس العابدين أرضا لطاعته وعبادته، وجعل قلوبهم فلكا لنجوم علمه وشموس معرفته.
وأوتاد النفوس الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة. وفي القلوب ضياء العرفان، وشموس التوحيد، ونجوم العلوم والعقول والنفوس. والقلوب بيده يصرّفها على ما أراد من أحكامه.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ١٢]
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢).
(١) تقول الغرب: فعل فلان كذا ثم استوى إلى عمل كذا يريدون أنه أكمل الأول وابتدأ الثاني، ويفهم منه أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض (النسفي ح ٤ ص ٨٩).
ومن قال إنه صفة ذاتية زائدة تكون على معنى استوى في الأزل بصفاته (القرطبي ح ١٥ ص ٣٤٣) وعلى الرأى الأول يكون الاستواء من صفات الفعل وعلى الثاني يكون من صفات الذات.
زيّن السماء الدنيا بمصابيح، وزيّن وجه الأرض بمصابيح هي قلوب الأحباب فأهل السماء إذا نظروا إلى قلوب الأولياء بالليل فذلك متنزههم كما أن أهل الأرض إذا نظروا إلى السماء استأنسوا برؤية الكواكب.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ١٣]
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣)
أي أخبر المكذّبين لك أنّ لكم سلفا.. فإن سلكتم طريقهم في العناد، وأبيتم إلّا الإصرار ألحقناكم بأمثالكم.
[سورة فصلت (٤١) : آية ١٥]
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥)
ركنوا إلى قوة نفوسهم فخانتهم قواهم، واستمكنت منهم بلواهم.
[سورة فصلت (٤١) : آية ١٦]
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)
«١»
فلم يغادر منهم أحدا.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٧ الى ١٨]
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨).
(١) فى قراءة أبى عمرو «نحسات» وبإسكان الحاء على أنها جمع المصدر «نحس» مستدلا بقوله تعالى:
«فى يوم نحس مستمر» ولو كان صفة لم يضف اليوم إليه.
قيل إنهم في الابتداء آمنوا وصدّقوا، ثم ارتدّوا وكذّبوا، فأجراهم مجرى إخوانهم فى الاستئصال.
«وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا..» : منهم من نجّاهم من غير أن رأوا النار فعبروا القنطرة ولم يعلموا، وقوم كالبرق الخاطف وهم أعلاهم، وقوم كالراكض.. وهم أيضا من الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون ويردّهم الملائكة على الصراط. فبعد وبعد.. قوم بعد ما دخلوا النار فمنهم من تأخذه إلى كعبيه ثم إلى ركبتيه ثم إلى حقويه «١»
، فإذا ما بلغت النار القلب قال الحقّ لها: (لا تحرقى قلبه) «٢»
فإنه محترق فيّ. وقوم يخرجون من النار بعد ما امتحشوا «٣»
فصاروا حمما «٤»
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ١٩ الى ٢٣]
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)
(١) الحقو الخصر.
(٢) ما بين القوسين موجود في ص وغير موجود في م.
(٣) أمحش الخر أو النار جلده أي أحرقه وقشره عن اللحم. ويقال هذه سنة أمحشت كل شىء إذا كانت جدبة.
(٤) الحمم الفحم أو الرماد.. وكل ما احترق من النار.
شهدت عليهم أجزاؤهم، ولم يكن في حسابهم أن الله سينطقها وهو الذي أنطق كلّ شىء، ولم يدر بخلدهم ما استقبلهم من المصير الأليم.
«ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ... » : وكذا من قعد في وصف الأقوال، ووسم موضعه، وحكم لنفسه أنه مقدّم بلده. فلا يسمع منه إلا ببرهان ودليل من حاله، فإن خالف الحال قوله فلا يعتمد عليه بعد ذلك «١».
والظنّ بالله إذا كان جميلا فلعمرى يقابل بالتحقيق، أمّا إذا كان نتيجة الغرور وغير مأذون به في الشرع فإنه يردى صاحبه.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٢٤]
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)
فإن يصبروا على موضع الخسف فسينقلبون إلى النار. وإن يستعتبوا- فعلى ما قال- فما هم بمعتبين «٢».
[سورة فصلت (٤١) : آية ٢٥]
وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)
إذا أراد الله بعبد خيرا قيّض له قرناء خير يعينونه على الطاعات، ويحملونه عليها، ويدعونه إليها. وإذا كانوا إخوان سوء حملوه على المخالفات، ودعوه إليها.. ومن ذلك الشيطان فإنه مقيّض مسلّط على الإنسان يوسوس إليه بالمخالفات.. وشرّ من ذلك النّفس.
فإنها بئس القرين!! فهى تدعو العبد- اليوم- إلى ما فيه هلاكه، وتشهد عليه غدا بفعل الزلّة. فالنفس- وشرّ قرين للمرء نفسه- والشياطين وشياطين الإنس.. كلها تزيّن لهم
(١) يعود القشيري بعد قليل إلى هذا المعنى نفسه حين يتحدث عمن يكلفون بالقالة دون صفاء الحالة.
(٢) أي أن النار مثوى لهم في الحالين، ولا مهرب لهم منها فلا صبرهم بنافع، ولا طلب الرضا عنهم بنافع، ولا بد لهم من النار.
«ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» من طول الأمل، «وَما خَلْفَهُمْ» من نسيان الزّلل، والتسويف في التوبة، والتقصير في الطاعة.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٢٦]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)
استولى على قلوبهم الجحد والإنكار، ودام على العداوة فيهم الإصرار فاحتالوا بكل وجه، وتواصوا فيما بينهم بألا يستمعوا لهذا القرآن لأنه يغلب القلوب، ويسلب العقول، وكل من استمع إليه صبا إليه.
وقالوا: إذا أخذ محمد في القرآن فأكثروا عند قراءته اللّغو واللغط حتى يقع في السهو والغلط.
ولم يعلموا أن الذي نوّر قلبه بالإيمان، وأيّد بالفهم، وأمدّ بالنصرة، وكوشف بسماع السّرّ من الغيب هو الذي يسمع ويؤمن. والذي هو في ظلمات جهله لا يدخل الإيمان قلبه، ولا يباشر السماع سرّه «١».
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٢٧]
فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)
اليوم بإدامة الحرمان الذي هو الفراق، وغدا بالتخليد في النار التي هي الاحتراق.
[سورة فصلت (٤١) : آية ٢٨]
ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨)
لهم فيها الخزي والهوان بلا انقطاع ولا انصرام.
[سورة فصلت (٤١) : آية ٢٩]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)
(١) إذا تذكرنا أن السر أعلى من القلب ومن الروح عرفنا أن «السماع» عند الشيخ ذو مرتبة عالية على عكس ما يظنه المغرضون
من الجنّ إبليس. ومن الإنس قابيل بن آدم فهو أول من سنّ المعصية (حين قتل أخاه) «١».
«نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا» هذه الإرادة وهذا التمني زيادة في عقوبتهم أيضا لأنهم يتأذون بتلك الإرادة وهذا التمني فهم يجدون أنه لا نفع لهم من ذلك إذ لن يجابوا في شىء، ولن يمنع عنهم العذاب.
ويفيد هذا الإخبار عنهم عن وقوع التبرّى فيما بينهم، فبعضهم يتبرأ من بعض، كما يفيد بأن الندم في غير وقته لا جدوى منه.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٠]
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)
«ثُمَّ» استقاموا: ثم حرف يقتضى التراخي، فهو لا يدل على أنهم في الحال لا يكونون مستقيمين، ولكن معناه استقاموا في الحال، ثم استقاموا في المآل بأن استداموا إيمانهم إلى وقت خروجهم من الدنيا، وهو آخر أحوال كونهم مكلّفين.
ويقال: قالوا بشرط الاستجابة أولا، ثم استبصروا بموجب الحجة، ولم يثبتوا على وصف التقليد، ولم يكتفوا بالقالة دون صفاء الحالة.
«اسْتَقامُوا» : الاستقامة هي الثبات على شرائط الإيمان بجملتها من غير إخلال بشىء من أقسامها. ويقال: هم على قسمين:
(١) زيادة من عندنا للتوضيح وليست موجودة بالمتن.
327
مستقيم (فى أصول) «١»
التوحيد والمعرفة.. وهذه صفة جميع المؤمنين «٢».
ومستقيم في الفروع من غير عصيان.. وهؤلاء مختلفون فمنهم.. ومنهم، ومنهم.
«وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ» : الذين لهم البشارة هم كل من استقام في التوحيد، ولم يشرك.. فله الأمان من الخلود «٣»
. ويقال: من كان له أصل الاستقامة أمن «٤»
من الخلود في النار، ومن له كمال الاستقامة أمن من الوعيد من غير أن يلحقة سوء بحال.. ثم الاستقامة لهم على حسب أحوالهم فمستقيم في عهده. ومستقيم في عقده، ومستقيم في جهده ومراعاة حدّه، ومستقيم فى عقده وجهده وحدّه وحبّه وودّه.. وهذا أتمّهم.
ويقال: استقاموا على دوام الشهود وعلى انفراد القلب بالله.
ويقال: استقاموا في تصفية العقد ثم في توفية العهد ثم في صحة القصد بدوام الوجد.
ويقال: استقاموا بأقوالهم ثم بأعمالهم، ثم بصفاء أحوالهم في وقتهم وفي مآلهم.
ويقال: أقاموا على طاعته، واستقاموا في معرفته، وهاموا في محبته، وقاموا بشرائط خدمته.
ويقال: استقامة الزاهد ألا يرجع إلى الدنيا، وألا يمنعه الجاه بين الناس عن الله. واستقامة العارف ألا يشوب معرفته حظّ في الدارين فيحجبه عن مولاه. واستقامة العابد ألا يعود إلى فترته واتباع شهوته، ولا يتداخله رياء وتصنّع. واستقامة «٥»
المحبّ ألا يكون له أرب من محبوبه، بل يكتفى من عطائه ببقائه، ومن مقتضى جوده بدوام عزّه ووجوده.
«أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا» : إنما يكون الخوف في المستقبل من الوقت، من حلول مكروه أو فوات محبوب، فالملائكة يبشرونهم بأن كل مطلوب لهم سيكون، وكل محذور لهم لا يكون.
(١) هكذا في م وهي في ص (على أصل) وهي مقبولة حسب قوله تعالى في موضع آخر (استقاموا على الطريقة) ولكننا آثرنا (فى أصول) لتنسجم مع الفروع. [.....]
(٢) عن أنس قال: لمّا نزلت هذه الآية قال النبي (ص) :«هم أمتى ورب الكعبة».
(٣) أي التخليد في النار.. ويقصد بهم أصحاب المنزلة بين المنزلتين.
(٤) لاحظ الربط بين الأمن والأمان من ناحية والإيمان من ناحية أخرى.
(٥) أي أن مجرد ذكر المحب لله (الباقي) يكفيه عن تذكر أي عطاء أو منع، فحسبه الله.
328
والحزن من حزونة الوقت، ومن كان راضيا بما يجرى فلا حزن له في عيشه. والملائكة يبشرونهم بأنهم لا حزونة في أحوالهم، وإنما هم في الرّوح والراحة.
«وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ» : أي بحسن المآب، وبما وعد الله من جميل الثواب.
والذي هو موعود للأولياء بسفارة الملك موجود اليوم لخواص عباده بعطاء الملك فلا يكون لأحدهم مطالعة في المستقبل من حاله بل يكون بحكم الوقت فلا يكون له خوف لأن الخوف- كما قلنا من قبل- ينشأ من تطلع إلى المستقبل إمّا من زوال محبوب أو حصول مكروه، وإن الذي بصفة الرضا «١»
لا حزونة في حاله ووقته.
ويمكن القول: «أَلَّا تَخافُوا» من العذاب، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما خلفتم من الأسباب، «وَأَبْشِرُوا» بحسن الثواب في المآب.
ويقال: «أَلَّا تَخافُوا» من عزل الولاية، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما أسفلتم من الجناية، «وَأَبْشِرُوا» بحسن العناية في البداية.
ويقال: «أَلَّا تَخافُوا» مما أسلفتم، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما خلّفتم، «وَأَبْشِرُوا» بالجنة التي لها تكلفتم.
ويقال: «أَلَّا تَخافُوا» المذلّة، «وَلا تَحْزَنُوا» على ما أسلفتم من الزلّة، «وَأَبْشِرُوا» بدوام الوصلة.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٣١ الى ٣٢]
نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)
الولاية من الله بمعنى المحبة، وتكون بمعنى النصرة.
(١) هذا من أدق الشروح لمعنى «الرضا» الذي كما نعرف من مذهب القشيري مرحلة انتقال من المقامات إلى الأحوال.
329
وهذا الخطاب يحتمل أن يكون من قبل الملائكة الذين تنزلوا عليهم، ويحتمل أن يكون ابتداء خطاب من الله.
والنصرة تصدر من المحبة فلو لم تكن المحبة الأزلية لم تحصل النصرة في الحال.
ويقال: «نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
بتحقيق المعرفة، «وَفِي الْآخِرَةِ»
بتحصيل المغفرة.
ويقال «نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
بالعناية، «وَفِي الْآخِرَةِ»
بحسن الكفاية وجميل الرعاية.
«فِي الْحَياةِ الدُّنْيا»
بالمشاهدة، «وَفِي الْآخِرَةِ»
بالمعاينة.
فى الدنيا بالرضاء بالقضاء، وفي الآخرة باللقاء في دار البقاء.
فى الدنيا بالإيمان، وفي الآخرة بالغفران.
فى الدنيا بالمحبة، وفي الآخرة بالقربة.
«وَلَكُمْ فِيها»
أي في الجنة «ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ»
: الولاية نقد، وتحصيل الشهوات وعد، فمن يشتغل بنقده قلّما يشتغل بوعده «١».
«وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ»
: أي ما تريدون، وتدعون الله ليعطيكم.
«نُزُلًا» : أي فضلا وعطاء، وتقدمة لما يستديم إلى الأبد من فنون الأفضال ووجوه المبارّ «٢».
(١) تفيد هذه الإشارة الممتعة حقا في توضيح الفكرة الصوفية الشائعة التي تقول إن العبادة الحقة هي المجردة عن الطمع في الثواب والخوف من العقاب.. وهي عند القشيري من أمارات الولاية والمحبة الصافية.. ويمعن بعض الصوفية في ذلك فيدفعهم طلب الله لذاته إلى القول:
أريدك لا أريدك للثواب... ولكنى أريدك للعقاب
فكل مآربى قد نلت منها... سوى ملذوذ وجدى بالعذاب
(٢) فتكون (نزلا) منصوب على المصدر أي أنزلناه نزلا. وقيل: على الحال. وقيل هو جمع نازل أي لكم ما تدعون نازلين.
330
«مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ» : وفي ذلك مساغ لآمال المذنبين لأنهم هم الذين يحتاجون إلى المغفرة، ولولا رحمته لما وصلوا إلى مغفرته.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٣]
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)
أي لا أحد أحسن قولا منه، ويكون المراد منه النبي صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون جميع الأنبياء عليهم السلام.
ويقال هم المؤمنون. ويقال هم الأئمة الذين يدعون الناس إلى الله.
وقيل هم المؤذنون. ويقال الداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلى الاكتفاء بالله وترك طلب العوض من الله، ويكل أمره إلى الله، ويرضى من الله بقسمة الله.
«وَعَمِلَ صالِحاً» : أي كما يدعو الخلق إلى الله يأتى بما يدعوهم إليه.
ويقال هم الذين عرفوا طريق الله، ثم سلكوا طريق الله، ثم دعوا الناس إلى الله.
ويقال بل سلكوا طريق الله فبسلوكهم وبمنازلاتهم عرفوا الطريق إلى الله، ثم دعوا الخلق إليه بعد ما عرفوا الطريق إليه.
«وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ» : المسلمون لحكمه هم الراضون بقضائه وتقديره.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٤]
وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)
ادفع بالخصلة التي هي أحسن السيئة يعنى بالعفو عن المكافأة، وبالتجاوز والصفح عن الزلة، وترك الانتصاف «١».
«فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» يشبه الوليّ الحميم- ولم يصر وليا مخلصا.. وهذا من جملة حسن الأدب في الخدمة في حقّ صحبتك مع الله تحلم مع عباده لأجله.
(١) هذه الأوصاف التي ذكرها القشيري من أمارات الفتوة- كما ورد في الفصل الذي عقده لها فى «رسالته».
ومن جملة حسن الخلق في الصحبة مع الخلق ألا تنتقم لنفسك، وأن تعفو عن خصمك.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٥]
وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)
لا يقوم بحق هذه الأخلاق إلّا من أكرم بتوفيق الصبر، ورقّى عن سفساف الشيم إلى معالى الأخلاق. ولا يصل أحسن الدرجات إلا من صبر على مقاساة الشدائد.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٦]
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)
إذا اتصلت بقلبك نزغات الشيطان فبادر بذكر ربّك، وارجع إليه قبل أية خطوة «١»
..
فإنك إن لم تخالف أول هاجس من هواجس الشيطان صار فكرة، ثم بعد ذلك يحصل العزم على ما يدعو إليه الشيطان.. فإذا لم تتدارك ذلك تجرى الزلّة، وإذا لم تتدارك ذلك بحسن الرّجعى صار فسقا.. وبتمادي الوقت تصبح في خطر كل آفة.
ولا يتخلص العبد من نزغات الشيطان إلا بصدق الاستعانة وصدق الاستغاثة وبذلك ينجو من الشيطان، وقد قال تعالى: «إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ» «٢»
فكلما ازداد العبد في تبرّيه من حوله وقوته «٣»
، وأخلص بين يدى الله بتضرعه واستعانته واستعاذته زاد الله في حفظه، ودفع الشيطان عنه.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٧]
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧).
(١) هكذا في م وهي في ص (خطرة) بالراء، ونحن لا نرفض ذلك إذ يقول القشيري في رسالته ص ٤٦:
«الخواطر خطاب يرد على الضمائر وقد يكون الخاطر بإلقاء مسلك، وأو بإلقاء الشيطان، وقد يكون حديث النفس»..
ويقول في نفس الموضع: كل خاطر لا يشهد الظاهر فهو باطل.
(٢) آية ٦٥ سورة الإسراء.
(٣) لانه كلما ازداد في ذلك ازدادت عبوديته، فدخل في زمرة «عبادى» الذين ليس الشيطان عليهم سلطان وبهذا الفهم يتأيد السياق ويتماسك في ظل الشاهد القرآنى.
أوضح الآيات، وألاح البينات، وأزاح علّة من رام الوصول. واختلاف الليل والنهار، ودوران الشمس والقمر من جملة أمارات قدرته، ودلالات توحيده.
«لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ» فى علائها، «وَلا لِلْقَمَرِ» فى ضيائه، «وَاسْجُدُوا لِلَّهِ» فقد غار «١»
عليك أن تسجد لغيره.
والشمس- وإن علت، والقمر- وإن حسن.. فلأجلك خلقناهما، فلا تسجد لهما، واسجد لنا.
ويقال: خلق الملائكة- ومع كثرة عبادتهم، ومع تقدمهم في الطاعة- قال لهم:
اسجدوا لآدم، وحين امتنع واحد منهم لعن إلى الأبد. وقال لأولاد آدم العصاة المذنبين: «لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ... » فشتّان ما هما!! والحقّ- سبحانه وتعالى- يأمرك بصيانة وجهك عن الشمس والقمر.. وأنت لأجل كلّ حظّ خسيس تنقل قدمك إلى كلّ أحد وتدخل بمحياك على كلّ أحد!! قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٨]
فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨)
«٢»
أي إن ترفّع الكفار فلا خلل لأن الحقّ غنىّ عن كل أحد، ثم إن الملائكة- الذين هم سكان الآخرة- يسجدون له بالليل والنهار، وهم لا يسأمون من عبادته.
(١) يقول القشيري في رسالته ص ١٢٦ «الغيرة كراهية مشاركة الغير، وإذا وصف الحق سبحانه بالغيرة فمعناه أنه لا يرضى بمشاركة الغير معه فيما هو حق له من طاعة عبده».
(٢) هذه آية سجدة، واختلف في موضع السجود منها.. فقال مالك إن موضعه «إن كنتم إياه تعبدون» «لأنه متصل بالأمر».. وقال الشافعي إنه: «وهم لا يسأمون» لأنه تمام الكلام وغاية العبادة والامتثال.
وقد تضمنت الآية صلاة الكسوف، وذلك أن العرب كانت تقول: إن الشمس والقمر لا يكسفان إلا لموت عظيم.. فصلّى النبي (ص) صلاة الكسوف (القرطبي ح ١٥ ص ٣٦٤).
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٣٩]
وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)
الأرض تكون جدبة يابسة في الشتاء، فإذا نزل عليها المطر اهتزت بالنبات واخضرّت وكذلك القلوب إذا خشعت لاستشعارها بما ألّمت به من الذنوب أقبل عليها الحق سبحانه، فظهرت فيها بركات الندم، وعفا عن أربابها ما قصروا في صدق القدم. وكذلك إذا وقعت للعبد فترة في معاملاته، أو غيبة عن بساط طاعاته، ثم تغمّده الحقّ- سبحانه- بما يدخل عليه من التذكر تظهر في القلب أنوار الوفاق، فيعود إلى مألوف مقامه، ويرجع عود سداده غضّا طريا، ويصير شجر وفاقه- بعد ما أصابته الجدوبة- بماء العناية مستقيا.
وكذلك إذا بدت لأهل العرفان وقفة، أو حدثت لهم من جرّاء سوء أدب بدر منهم حجبة ثم نظر الحقّ- سبحانه- إليهم بالرعاية.. اهتزّت رياض أنسهم، واخضرّت مشاهد قربهم، وانهزمت وفود وقفتهم.
«إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» : إن الذي أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء النفوس بالحشر والنشر. وكذلك هو قادر على إحياء القلوب بنور العناية بعد الفترة والحجبة.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٠]
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)
سيلقون من العذاب ما يستوجبونه.. فليعملوا ما شاءوا.. فليسوا يسعون إلّا في ذمهم، وليسوا يمشون إلا إلى هلاكهم بأقدامهم.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤١]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١)
الجواب محذوف ومعناه: بقوا عنّا، ووقعوا في هوانهم وشقوا إلى الأبد.
«وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ» : كتاب عزيز لا مثل له حيث قد عجزوا عن الإتيان بمثله.
كتاب عزيز غالب لشبه المبتدعين والكفار.
عزيز لا يقدر على معارضته أحد.. من قولهم أرض عزاز «١».
كتاب عزيز لأنه كلام ربّ عزيز إلى رسول عزيز بسفارة ملك عزيز إلى أمّة عزيزة.
كتاب عزيز على المؤمنين لأنه كتاب حبيبهم.. وكتاب الحبيب إلى الحبيب عزيز.
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٢]
لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)
أي لا ينقضه كتاب آخر لا مما تقدّمه من الكتب، ولا مما يأتى من بعده.. أي لا كتاب بعده، ولا نسخ له.
ويقال لا يدفع «٢» معناه لفظه، ولا يخالف لفظه معناه..
ويقال لا يقدر أحد أن يأتى بمثله.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٣]
ما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣)
أصول التوحيد لا تختلف بالشرائع فجوهرها في الأحكام واحد: هو أنه تجب موافقة أوامره، واجتناب مزاجره. ثم إن الله تعالى قال في كل كتاب، وشرع لكل أمة أن يعرفوا
(١) الأرض العزاز الأرض الصلبة السريعة السيل (الوسيط). [.....]
(٢) دفع الشيء نحمّاه وأزاله، قال تعالى: «ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض».
أنه للمطيعين مثيب، وللكافرين ذو عذاب شديد.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٤]
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤)
أخبر أنه أزاح العلّة لمن أراد أن يعرف صدق الدعوة، وصحة الشريعة.
ثم وصف الكتاب بأنه شفاء للمؤمنين، وسبب شقاء للكافرين.
وهو شفاء للعلماء حيث استراحوا به عن كدّ الفكر وتحيّر الخواطر.
وهو شفاء لضيق صدور المريدين لما فيه من التنعم بقراءته، والتلذّد بالتفكّر فيه.
وهو شفاء لقلوب المحبين من لواعج الاشتياق لما به من لطف المواجيد.
وهو شفاء لقلوب العارفين بما يتوالى عليها من أنوار التحقيق، وآثار خطاب الرب العزيز.
«وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» : هم لا يسمعون بقلوبهم من الحق، ولا يستجيبون.. بقوا في ظلمات الجحد والجهل.
«وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى» : لا يزدادون على مر الأيام إلا ضلالا.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٥]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)
آتينا موسى التوراة، وأرسلناه إلى قومه، فاختلفوا في أمره.. فمن كحّلنا سرّه بنور التوحيد صدّقه، ومن أعميناه عن مواقع البيان قابله بالتكذيب وجحده.
«وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ» وهي أن عقوبتهم في النار بعد قيام القيامة لعجّلنا
استئصالهم، ولأذقناهم في الحال وبالهم «١».
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٦]
مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)
«فَلِنَفْسِهِ» لأن النفع عائد إليه. ومن عمل عملا سيئا فإنما ظلم نفسه، وأساء إليها لأنه هو الذي يقاسى ضرّه ويلاقى شرّه.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٧]
إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)
لمّا استعجلوا وقالوا: متى تقوم هذه القيامة التي يتوعّدنا بها؟ قال الله تعالى: إنّ علم القيامة ينفرد به الحقّ فلا يعلمه غيره، فكما لا يعلم أحد ما الذي يخرج من الأشجار من الثمار، وما الذي تنطوى عليه أرحام النساء من أولادها ذكورا وإناثا، وما هم عليه من أوصاف الخلقة، وما يحصل من الحيوانات من نتاجها- فلا يعلم هذه الأشياء إلا الله- فكذلك لا يعلم أحد متى تقوم القيامة.
«وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي..» : يتبرءون من شركائهم، ولكن في وقت لا تنفعهم كثرة ندمهم وبكائهم.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : آية ٤٩]
لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩).
(١) فى موضع سبق أوضح القشيري أنه ربما كان من أسباب الحكمة الإلهية في تأخير عقوبة أمة النبي «ص» - كما حدث للأمم السابقة- هو تأخير العذاب بسبب ما يخرج من أصلابهم من المؤمنين.
لا يملّ الإنسان من إرادة النفع والسلامة، وإن مسّه الشرّ فيئوس لا يرجو زواله لعدم علمه بربه، وانسداد الطريق على قلبه في الرجوع إليه.
[سورة فصلت (٤١) : آية ٥٠]
وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)
لئن كشفنا عنه البلاء، وأوجبنا له الرجاء لادّعاه استحقاقا أو اتفاقا، وما اعتقد أن ذلك منّا فضل وإيجاب.
ويقول: لو كان لى حشر ونشر لكان لى من الله لطف وخير، وغدا يعلم الأمر، وأنه بخلاف ما توهّم.. وذلك عند ما نذيقه ما يستوجبه من عذاب.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٥١ الى ٥٢]
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)
هو لا يميز بين البلاء والعطاء فكثير مما يتوهمه عطاء هو مكر واستدراج.. وهو يستديمه. وكثير مما هو فضل وصرف «١» وعطاء يظنه من البلاء فيعافه «٢» ويكرهه.
ويقال إذا أنعمنا عليه صاحبه بالبطر، وإذا أبليناه قابله بالضجر.
ويقال إذا أنعمنا عليه أعجب بنفسه، وتكبّر مختالا في زهوه، لا يشكر ربّه، ولا يذكر فضله، ويتباعد عن بساط طاعته.
(١) صرف الله المكاره صرفا أي أبعدها.
(٢) فى م (فيعافيه) وهي خطأ في النسخ.
والمستغنى عنّا يهيم على وجهه، وإذا مسّه الشرّ فذو دعاء كثير، وتضرّع عريض، وابتهال شديد، واستكشاف «١» دائم.
ثم إذا كشفنا عنه ذلك فله إلى عتوّه ونبوّه عود، ولسوء طريقته في الجحود إعادة.
قوله جل ذكره:
[سورة فصلت (٤١) : الآيات ٥٣ الى ٥٤]
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)
«سَنُرِيهِمْ» : السين للاستقبال أي سيظهر لهم من الآيات، ومن الأحداث التي تجرى فى أحوال العالم، وما سيحلّ بهم من اختلاف الأمور ما يتبيّن لهم من خلاله أنّ هذا الدّين حقّ، وأنّ هذا الكتاب حقّ، وأن محمدا- صلى الله عليه وسلم- حقّ، وأن المجرى لهذه الآيات والأحداث والأمور والمنشئ له هو الحقّ- سبحانه.
ومن تلك الآيات ما كان من قهر الكفار، وعلوّ الإسلام، وتلاشى أعداء الدين.
ويقال من تلك الآيات في الأفاق اختلاف أحكام الأعين مع اتفاق جواهرها في التجانس..
وهذه آيات حدوث العالم، واقتضاء المحدث لصفاته.
«وَفِي أَنْفُسِهِمْ» : من أمارات الحدوث واختلاف الأوصاف ما يمكنهم إدراكه.
ويقال: «فِي الْآفاقِ» للعلماء، «وَفِي أَنْفُسِهِمْ» لأهل المعرفة مما يجدونه من العقاب إذا ألمّوا بذنب، ومن الثواب إذا أخلصوا في طاعة.
وكذلك ما يحصل لهم من اختلاف الأحوال من قبض وبسط، وجمع وفرق، وحجب
(١) الاستكشاف والاستصراف طلب كشف الغمّة وصرفها
339
وجذب.. وما يجدونه بالضرورة فى معاملاتهم ومنازلاتهم «١».
«أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ» : هو الكافي، ولكنهم- أي الكفار- فى مرية من لقاء ربهم في القيامة. والإشارة فيه: أن العوامّ لفى شك من تجويز ما يكاشف به أهل الحضور من تعريفات السرّ.
«أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ» : عالم لا يخفى عليه شىء.
(١) يتفق هذا مع ما يذهب إليه جمهور الصوفية حين يميزون الأحوال والمقامات، فالأحوال مواهب من الحق، والمقامات مكاسب للعبد- وإن كانت هذه المكاسب تتم هي الأخرى بفضل الله وعونه.
340
Icon