تفسير سورة سورة القمر
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي
الجامع لأحكام القرآن
شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي (ت 671 هـ)
الناشر
دار الكتب المصرية - القاهرة
الطبعة
الثانية
المحقق
أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش
نبذة عن الكتاب
تفسير جامع لآيات القرآن جميعًا ولكنه يركز بصورة شاملة على آيات الأحكام في القرآن الكريم.
الكتاب من أفضل كُتب التفسير التي عُنيت بالأحكام. وهو فريد في بابه.
وهو من أجمع ما صنف في هذا الفن.
حدد القرطبي منهجه بأن يبين أسباب النزول، ويذكر القراءات، واللغات ووجوه الإعراب، وتخريج الأحاديث، وبيان غريب الألفاظ، وتحديد أقوال الفقهاء، وجمع أقاويل السلف، ومن تبعهم من الخلف، ثم أكثر من الإستشهاد بأشعار العرب، ونقل عمن سبقه في التفسير، مع تعقيبه على ما ينقل عنه، مثل ابن جرير، وابن عطية، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وأبي بكر الجصاص.
وأضرب القرطبي عن كثير من قصص المفسرين، وأخبار المؤرخين، والإسرئيليات، وذكر جانبا منها أحيانا، كما رد على الفلاسفة والمعتزلة وغلاة المتصوفة وبقية الفرق، ويذكر مذاهب الأئمة ويناقشها، ويمشي مع الدليل، ولا يتعصب إلى مذهبه (المالكي) ، وقد دفعه الإنصاف إلى الدفاع عن المذاهب والأقوال التي نال منها ابن العربي المالكي في تفسيره، فكان القرطبي حرا في بحثه، نزيها في نقده، عفيفا في مناقشة خصومه، وفي جدله، مع إلمامه الكافي بالتفسير من جميع نواحيه، وعلوم الشريعة.
ويمتاز هذا التفسير عما سبق من تفاسير أحكام القرآن أنه لم يقتصر على آيات الأحكام، والجانب الفقي منها، بل ضم إليهل كل ما يتعلق بالتفسير.
لا يستغني عنه العالم فضلا عن طالب العلم
وجاء في موقع الوراق، ما يلي:
من أجل كتب التفسير وأكثرها منفعة. يكاد يغني بشموليته عن كل تفسير، بل عن مراجعة أمهات كتب الفقه ومذاهبه المتعددة. ولم يلق غيره من كتب التفسير ما لقيه من الحفاوة به والاعتناء بتحقيقه. إلا أن نسخه المخطوطة كانت مبعثرة في مكتبات العالم. قال الشيخ بهجت البيطار: (كنا نسمع بهذا التفسير الجليل قبل أن نراه، فلما طبع أقبلنا عليه نتصفح أجزاءه لنقف على خصائصه ومزاياه) ثم أخذ يعدد تلك المزايا والخصائص، وأهمها طريقة القرطبي في التفسير، المتمثلة في أنه يورد الآية ويفسرها بمسائل يجمعها في أبواب، ويودع في هذه المسائل والمباحث من تفسير المفردات اللغوية، وإيراد الشواهد الشعرية إلى البحث في اشتقاق الكلمات ... إلى ما قاله أئمة السلف فيها، إلى ما يختاره هو من معانيها. وأحسن كل الإحسان بعزو الأحاديث إلى مخرجيها، مع التكلم على الحديث متناً وسنداً، قبولا ورداً) مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق (مجلد 20 ص562 سنة 1945) . انظر كلام القرطبي على منهجه في هذا التفسير عند قوله: (فلما كان كتاب الله هو الكفيل بجميع علوم الشرع ... رأيت أن أشتغل به مدى عمري.. بأن أكتب تعليقا وجيزا يتضمن نكتامن التفسيرات واللغات والإعراب والقراءات والرد على أهل الزيغ والضلالات ... وشرطي في هذا الكتاب إضافة الأقوال إلى قائليها والأحاديث إلى مصنفيها ... وسميته بالجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان) . طبع الكتاب لأول مرة بإشراف دار الكتب المصرية، وتحقيق طائفة من كبار المحققين، وكان صاحب الفكرة في الدعوة إلى طباعته محققاً: الأستاذ محمد الببلاوي، وكان للشيخ إبراهيم إطفيش الدور الأبرز في تحقيق الكتاب، في طبعته الثانية (1952م) إذ حقق منه (11) جزءاً، تبدأ بالجزء الثالث، وتنتهي بالجزء (13) وقام الأستاذ أحمد عبد العليم البردوني بتحقيق سبعة أجزاء منه، هي: الأول والثاني، ثم الرابع عشر حتى الثامن عشر. وعهد إلى الأستاذ مصطفى السقا بتحقيق الجزأين الأخيرين، وفي مقدمة الجزء الثالث من الطبعة الثانية وصف للنسخ الخطية المعتمدة في هذه الطبعة. انظر في كل ذلك كتاب (القرطبي: حياته وآثاره العلمية ومنهجه في التفسير) د. مفتاح السنوسي بلعم. قال (ص276) : (وهو لا يترك مناسبة لها علاقة بالوضع السياسي إلا ربط ذلك بواقعه وحكام عصره، ناقداً ومبيناً ما آل إليه حالهم من التدهور والضعف وتغيير حكم الله وتبديله) انظر كمثال على ذلك كلامه على الآية (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) ونقده لمتصوفة عصره في كلامه على الآية (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) والآية (وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا..) والآية (والذين إذا فعلوا فاحشة) وتبرج نساء عصره في تفسير الآية ( ... ويمشون في الأسواق..) . ومما كتب فيه (القرطبي ومنهجه في التفسير) د. القصبي محمود زلط، و (القرطبي المفسر: سيرة ومنهج) يوسف عبد الرحمن الفرت. وجدير بالذكر أني عثرت فيه على خطأ لا أرى إلا أنه مقحم على تفسيره، وهو إقحامه في تفسير قوله تعالى (وقثائها) وجوها من مادة (فثأ) بالفاء، وليس بالقاف، قال: وفثأت القدر: سكنت غليانها بالماء ... وفثأت الرجل: إذا كسرته عنك بقول أو غيره.؟
[تفسير سورة القمر]
سُورَةُ الْقَمَرِ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) إِلَى قَوْلِهِ: (وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَا يَأْتِي. وَهِيَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ آيَةً.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الى ٨]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (اقْتَرَبَتِ) أَيْ قَرُبَتْ مِثْلُ أَزِفَتِ الْآزِفَةُ «١» (عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. فَهِيَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا مَضَى قَرِيبَةٌ، لِأَنَّهُ قَدْ مَضَى أَكْثَرُ الدُّنْيَا كَمَا رَوَى قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ تَغِيبُ فَقَالَ: (مَا بَقِيَ مِنْ دُنْيَاكُمْ فِيمَا مَضَى إِلَّا مِثْلُ مَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ فِيمَا مَضَى) وَمَا نَرَى مِنَ الشَّمْسِ إِلَّا يَسِيرًا. وَقَالَ كَعْبٌ وَوَهْبٌ: الدُّنْيَا سِتَّةُ آلَافِ سَنَةٍ. قَالَ وَهْبٌ: قَدْ مَضَى مِنْهَا خَمْسَةُ آلَافِ سَنَةٍ وَسِتُّمِائَةِ سَنَةٍ. ذَكَرَهُ النَّحَّاسُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) أَيْ وَقَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ. وَكَذَا قَرَأَ حُذَيْفَةُ (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَقَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ) بِزِيَادَةِ (قَدْ) وَعَلَى هَذَا الْجُمْهُورُ مِنَ العلماء، ثبت ذلك في صحيح
| أَقِيمُوا بَنِي أُمِّي صُدُورَ مَطِيِّكُمْ | فَإِنِّي إِلَى حَيٍّ سِوَاكُمْ لَأَمْيَلُ |
| فَقَدْ حُمَّتِ الْحَاجَاتُ وَاللَّيْلُ مُقْمِرٌ | وَشُدَّتْ لِطِيَّاتٍ مَطَايَا وَأَرْحُلُ |
| فَلَمَّا أَدْبَرُوا وَلَهُمْ دَوِيٌّ | دَعَانَا عِنْدَ شَقِّ الصُّبْحِ دَاعِ |
| حَتَّى اسْتَمَرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ | مُرُّ الْعَزِيمَةِ لَا [قَحْمًا «٢»] وَلَا ضَرَعَا |
وليس على شي قويم بمستمر
(٢). راجع هامش ص ٨٦ من هذا الجزء في شرح البيت.
(٣). البيت لامرى القيس وصدره:
الا انما الدنيا ليال وأعصر
| فَأَصْبَحَ مَا يَطْلُبُ الْغَانِيَا | تُ مُزْدَجَرًا عن هواه ازدجارا |
| وَشَبَابٍ حَسَنٍ أَوْجُهُهُمْ | مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بن معد |
(٢). راجع ج ١٩ ص (١٩٤)
(٣). راجع ج ١٥ ص ٤٥.
(٤). راجع ج ١٨ ص (٢٤٨)
(٥). هو الحرث بن دوس الايادي، ويروى لابي دواد الايادي.
وَجَدْتُهُ «١» [حَاضِرَاهُ الْجُودُ وَالْكَرَمُ
(يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ) أَيِ الْقُبُورُ وَاحِدُهَا جدث. (كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ. مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ). وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: (يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ) «٢» فَهُمَا صِفَتَانِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أَحَدُهُمَا- عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْقُبُورِ، يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَا يَهْتَدُونَ أَيْنَ يَتَوَجَّهُونَ، فَيَدْخُلُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَهُمْ حِينَئِذٍ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ لَا جِهَةَ لَهُ يَقْصِدُهَا] الثَّانِي «٣» [- فَإِذَا سَمِعُوا الْمُنَادِيَ قَصَدُوهُ فَصَارُوا كَالْجَرَادِ الْمُنْتَشِرِ، لِأَنَّ الْجَرَادَ لَهُ جِهَةٌ يَقْصِدُهَا. وَ (مُهْطِعِينَ) مَعْنَاهُ مُسْرِعِينَ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرُ:
| بِدِجْلَةَ دَارُهُمْ «٤» وَلَقَدْ أَرَاهُمْ | بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إِلَى السَّمَاعِ |
| تَعَبَّدَنِي نِمْرُ بْنُ سَعْدٍ وَقَدْ أَرَى | وونمر بْنُ سَعْدٍ لِي مُطِيعٌ وَمُهْطِعُ |
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ الى ١٧]
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)
(٢). راجع ج ٢٠ ص ١٦٥.
(٣). الزيادة من مفصل اعراب القرآن وغيره.
(٤). في اللسان: (أهلها).
(٥). قائله تبع. [..... ]
| أَعَيْنَيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ الْهَوَامِرِ | عَلَى خَيْرِ بَادٍ مِنْ مَعَدٍّ وَحَاضِرِ |
| رَاحَ تَمْرِيهِ الصَّبَا ثُمَّ انْتَحَى | فِيهِ شُؤْبُوبُ جَنُوبٍ مُنْهَمِرْ «١» |
(٢). الزيادة من ط.
(٣). الكلكل: الصدر.
(٢). عوج بن عنق هو المشهور والذي صوبه صاحب القاموس هو ابن عوق لا عنق.
| وَقُمْتُ إِلَيْهِ بِاللِّجَامِ مُيَسِّرًا | هُنَالِكَ يَجْزِينِي الَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ |
[سورة القمر (٥٤): الآيات ١٨ الى ٢٢]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)(٢). راجع ج ٨ ص ١١٧.
(٣). في ط، ل: المسلمين، وما أثبتناه في اوب وج وهـ.
(٤). في ى: (للاستغراق).
(٢). راجع ج ٢ ص ٣١٣.
| ذَهَبَ الدَّهْرُ بِعَمْرِو بْ | نِ حُلَيٍّ وَالْهَنِيَّاتِ |
| ثُمَّ بِالْحَرْثِ وَالْهِلْ | قَامِ طَلَّاعِ الثَّنِيَّاتِ |
| وَالَّذِي سد مهب الر | يح أيام البليات |
(٢). زيادة من ى.
(٣). جعفة: صرعه وضرب به الأرض. [..... ]
وَ (جاءَتْها رِيحٌ «٢» عاصِفٌ)، وَقَوْلُهُ: (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) «٣» وَ (أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ)؟ فقال: كلما وَرَدَ عَلَيْكَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَإِنْ شِئْتَ رَدَدْتَهُ إِلَى اللَّفْظِ تَذْكِيرًا، أَوْ إِلَى الْمَعْنَى تَأْنِيثًا. وَقِيلَ: إِنَّ النَّخْلَ وَالنَّخِيلَ بِمَعْنًى يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ كَمَا ذَكَرْنَا. (فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) [تقدم «٤»].
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٣ الى ٢٦]
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ) هُمْ قَوْمُ صَالِحٍ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وَنَبِيَّهُمْ، أَوْ كَذَّبُوا بِالْآيَاتِ الَّتِي هِيَ النُّذُرُ (فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ) وندع جماعة. وقرا أبو الأشهب وابن السميقع وَأَبُو السَّمَّالِ الْعَدَوِيُّ (أَبَشَرٌ) بِالرَّفْعِ (وَاحِدٌ) كَذَلِكَ رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ (نَتَّبِعُهُ). الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى مَعْنَى أَنَتَّبِعُ بَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ. وَقَرَأَ أبو السمال «٥»:
(٢). راجع ج ٨ ص ٣٢٥.
(٣). راجع ج ١٨ ص ٢٦١.
(٤). من ب، ى.
(٥). هذه رواية أخرى عن أبى السمال كما في (روح المعاني) وغيره وفى ب، ز، ول (أبو السماك) بالكاف وليس بصحيح.
| تَخَالُ بِهَا سُعْرًا إِذَا السَّفْرُ هَزَّهَا | ذَمِيلٌ وَإِيقَاعٌ مِنَ السَّيْرِ مُتْعِبُ |
| أَصَحَوْتَ الْيَوْمَ أَمْ شَاقَتْكَ هِرُّ | وَمِنَ الْحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرْ |
| فَيُدْرِكُنَا فَغِمٌ دَاجِنٌ | سَمِيعٌ بَصِيرٌ طَلُوبٌ نَكِرْ «٤» |
| أَلَصُّ «٥» الضُّرُوسِ حَنِيُّ الضُّلُوعِ | تَبُوعٌ أَرِيبٌ نَشِيطٌ أشر |
(٢). هو طرفة.
(٣). في ا، ز، ل: السعير.
(٤). الفغم: المولع بالصيد الحريص عليه. داجن: ألوف للصيد. وفكر أي منكر عالم. وقيل نكر أي كريه الصورة.
(٥). الالص الذي التصقت أسنانه بعضها إلى بعض.
| أَشِرْتُمْ بِلُبْسِ الْخَزِّ لَمَّا لَبِسْتُمُ | وَمِنْ قَبْلُ مَا تَدْرُونَ مَنْ فَتَحَ الْقُرَى |
| وَخَلَّتْ وُعُولًا أُشَارَى بِهَا | وَقَدْ أَزْهَفَ الطَّعْنُ أَبْطَالَهَا |
| لِلْمَوْتِ فِيهَا سِهَامٌ غَيْرُ مُخْطِئَةٍ | مَنْ لَمْ يَكُنْ مَيِّتًا فِي الْيَوْمِ مَاتَ غَدَا |
| أَلَا عَلِّلَانِي قَبْلَ نَوْحِ النَّوَائِحِ | وَقَبْلَ اضْطِرَابِ النَّفْسِ بَيْنَ الْجَوَانِحِ |
| وَقَبْلَ غَدٍ يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَى غَدٍ | إِذَا رَاحَ أَصْحَابِي وَلَسْتُ بِرَائِحِ |
بِلَالٌ خَيْرُ النَّاسِ وابن الأخير
| تراه على الخيل ذا قدمة | إذا سربل الدم أكفالها |
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٧ الى ٣٢]
إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)
قوله تعالى: (إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ) أَيْ مُخْرِجُوهَا مِنَ الْهَضْبَةِ الَّتِي سَأَلُوهَا، فَرُوِيَ أَنَّ صَالِحًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا فَانْصَدَعَتِ الصَّخْرَةُ الَّتِي عَيَّنُوهَا عَنْ سَنَامِهَا، فَخَرَجَتْ نَاقَةٌ عُشَرَاءُ [وَبْرَاءُ «٣»]. (فِتْنَةً لَهُمْ) أَيِ اخْتِبَارًا وَهُوَ مَفْعُولٌ لَهُ. (فَارْتَقِبْهُمْ) أَيِ انْتَظِرْ مَا يَصْنَعُونَ. (وَاصْطَبِرْ) أَيِ اصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ، وَأَصْلُ الطَّاءِ فِي اصْطَبِرْ تَاءٌ فَتَحَوَّلَتْ طَاءً لِتَكُونَ مُوَافِقَةً لِلصَّادِ فِي الْإِطْبَاقِ. (وَنَبِّئْهُمْ): أَيْ أَخْبِرْهُمْ (أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ) أَيْ بَيْنَ آلِ ثَمُودَ وَبَيْنَ النَّاقَةِ، لَهَا يَوْمٌ وَلَهُمْ يَوْمٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) «٤». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِمْ لَا تَشْرَبُ النَّاقَةُ شَيْئًا مِنَ الْمَاءِ وَتَسْقِيهِمْ لَبَنًا وَكَانُوا فِي نَعِيمٍ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّاقَةِ شَرِبَتِ الْمَاءَ كُلَّهُ فَلَمْ تُبْقِ لَهُمْ شَيْئًا. وَإِنَّمَا قَالَ: (بَيْنَهُمْ) لِأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ بَنِي آدَمَ مَعَ الْبَهَائِمِ غَلَّبُوا بَنِي آدَمَ. وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلْنَا الْحِجْرَ فِي مَغْزَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ، قَالَ: (أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَسْأَلُوا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ هَؤُلَاءِ قَوْمُ صَالِحٍ سَأَلُوا نَبِيَّهُمْ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ لَهُمْ نَاقَةً فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ
(٢). راجع ج ١١ ص ١٤٤.
(٣). في الأصول جرداء والذي في قصص الأنبياء للثعلبي وغيره من كتب التفسير (وبراء) فلذا أثبتناه. [..... ]
(٤). راجع ج ١٣ ص ١٢٧.
| كِلْتَاهُمَا حَلَبُ الْعَصِيرِ فَعَاطِنِي | بِزُجَاجَةٍ أَرْخَاهُمَا لِلْمِفْصَلِ |
| أَوْ قَبْلَهُ «٢» كَقُدَارٍ حِينَ تَابَعَهُ | عَلَى الْغِوَايَةِ أَقْوَامٌ فَقَدْ بَادُوا |
| إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم | ضرب القدار نقيعة القدام «٣» |
(٢). الذي في شعراء النصرانية: (أو بعده).
(٣). القدار: الجزار. والنقيعة: ما ينحر للضيافة. والقدام: القادمون من سفر جمع قادم. وقيل: القدام الملك. ويروى:
انا لنضرب بالصوارم هامهم
| فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ | كَأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ «١» |
| أَثَرْنَ عَجَاجَةً كَدُخَانِ نَارٍ | تَشِبُّ بِغَرْقَدٍ بَالٍ هَشِيمٍ |
| تَرَى جِيَفَ الْمَطِيِّ بِجَانِبَيْهِ | كَأَنَّ عِظَامَهَا خشب الهشيم |
(٢). راجع ج ٩ ص ٦١.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٣٣ الى ٤٠]
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦) وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧)وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ) أَخْبَرَ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ أَيْضًا لَمَّا كَذَّبُوا لُوطًا. (إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً) أَيْ رِيحًا تَرْمِيهِمْ بِالْحَصْبَاءِ وَهِيَ الْحَصَى، قَالَ النَّضْرُ: الْحَاصِبُ الْحَصْبَاءُ فِي الرِّيحِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْحَاصِبُ الْحِجَارَةُ. وَفِي الصِّحَاحِ: وَالْحَاصِبُ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تُثِيرُ الْحَصْبَاءَ وَكَذَلِكَ الْحَصِبَةُ، قَالَ لَبِيَدٌ:
| جَرَّتْ عَلَيْهَا أَنْ خَوَتْ مِنْ أَهْلِهَا | أَذْيَالَهَا كُلُّ عَصُوفٍ حَصِبَهْ عَصَفَتِ الرِّيحُ |
| مُسْتَقْبِلِينَ شَمَالَ الشَّامِ تَضْرِبُنَا | بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ الْقُطْنِ مَنْثُورِ |
(٢). راجع ج ٩ ص ٢٦٣.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤١ الى ٤٢]
وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)(٢). زيادة من ى.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٣ الى ٤٦]
أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)قَوْلُهُ تَعَالَى: (أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ) خَاطَبَ الْعَرَبَ. وَقِيلَ: أَرَادَ كُفَّارَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ: اسْتِفْهَامٌ، وَهُوَ اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ وَمَعْنَاهُ النَّفْيُ، أَيْ لَيْسَ كُفَّارُكُمْ خَيْرًا مِنْ كُفَّارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا بِكُفْرِهِمْ. (أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ) أَيْ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعُقُوبَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمْ لَكُمْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بَرَاءَةٌ مِنَ الْعَذَابِ. (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) أَيْ جَمَاعَةٌ لَا تُطَاقُ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَلَمْ يَقُلْ مُنْتَصِرِينَ اتِّبَاعًا لِرُءُوسِ الْآيِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) أَيْ جَمْعُ كُفَّارِ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ وَغَيْرِهِ. وَقِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (سَيُهْزَمُ) بِالْيَاءِ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ (الْجَمْعُ) بِالرَّفْعِ. وَقَرَأَ رُوَيْسٌ عن يعقوب (وسنهزم) بِالنُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ (الْجَمْعَ) نَصْبًا. (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ. وَقَرَأَ عِيسَى وَابْنُ إِسْحَاقَ وَرُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (وَتُوَلُّونَ) بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَابِ. وَ (الدُّبُرَ) اسْمُ جِنْسٍ كالدرهم
أَخْنَى عَلَيْهِ الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ
وَأَخْنَيْتُ عَلَيْهِ: أَفْسَدْتُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَبَيْنَ بَدْرٍ سَبْعُ سِنِينَ، فَالْآيَةُ عَلَى هَذَا مَكِّيَّةٌ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَقَدْ أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَإِنِّي لَجَارِيَةٌ أَلْعَبُ: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ). وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ لَهُ يَوْمَ بَدْرٍ: (أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا) فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِيَدِهِ وَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ فِي الدِّرْعِ فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ. بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ) يُرِيدُ الْقِيَامَةَ. (وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ) أَيْ أَدْهَى وَأَمَرُّ مِمَّا لَحِقَهُمْ يوم بدر. و (أَدْهى) مِنَ الدَّاهِيَةِ وَهِيَ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ، يُقَالُ: دَهَاهُ أَمْرُ كَذَا أَيْ أَصَابَهُ دَهْوًا وَدَهْيًا. وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: دَهَتْهُ دَاهِيَةٌ دَهْوَاءُ وَدَهْيَاءُ وَهِيَ توكيد لها.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٤٧ الى ٤٩]
إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) فِيهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْأُولَى- قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ) أَيْ فِي حَيْدَةٍ عَنِ الْحَقِّ وَ (سُعُرٍ) أَيِ احْتِرَاقٍ. وَقِيلَ: جُنُونٌ عَلَى ما تقدم في هذا لسورة. (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقَدَرِ فَنَزَلَتْ: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ. إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولون: كل شي بِقَدَرٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كل شي بقدر حتى العجز والكيس- أوالكيس وَالْعَجْزَ وَهَذَا إِبْطَالٌ لِمَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ.) ذُوقُوا) أَيْ يُقَالُ لَهُمْ ذُوقُوا، وَمَسُّهَا مَا يَجِدُونَ مِنَ الْأَلَمِ عِنْدَ الْوُقُوعِ فِيهَا. وَ (سَقَرَ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ جَهَنَّمَ لَا يَنْصَرِفُ، لِأَنَّهُ اسْمٌ مُؤَنَّثٌ مَعْرِفَةٌ، وَكَذَا لَظَى وَجَهَنَّمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: (سَقَرَ) الطَّبَقُ السَّادِسُ مِنْ جَهَنَّمَ. وَقَالَ قُطْرُبٌ: (سَقَرَ) مِنْ سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ وَصَقَرَتْهُ لَوَّحَتْهُ. وَيَوْمٌ مُسَمْقِرٌ وَمُصَمْقِرٌ: شَدِيدُ الْحَرِّ. الثَّانِيَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ) قِرَاءَةُ الْعَامَّةِ (كُلَّ) بِالنَّصْبِ. وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّالِ (كُلُّ) بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَمَنْ نَصَبَ فَبِإِضْمَارِ فِعْلٍ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْكُوفِيِّينَ، لِأَنَّ إِنَّ تَطْلُبُ الْفِعْلَ فَهِيَ بِهِ أَوْلَى، وَالنَّصْبُ أَدَلُّ عَلَى الْعُمُومِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّكَ لَوْ حَذَفْتَ (خَلَقْناهُ) الْمُفَسِّرَ وَأَظْهَرْتَ الأول لصار إنا خلقنا كل شي بِقَدَرٍ. وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ خَلَقْنَاهُ صِفَةً لِشَيْءٍ، لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَ الْمَوْصُوفِ، وَلَا تَكُونُ تَفْسِيرًا لِمَا يَعْمَلُ فِيمَا قَبْلَهُ.
[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٠ الى ٥٥]
وَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ) أَيْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً. (كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) أَيْ قَضَائِي فِي خَلْقِي أَسْرَعُ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ. وَاللَّمْحُ النَّظَرُ بِالْعَجَلَةِ، يُقَالُ: لَمَحَ الْبَرْقَ بِبَصَرِهِ. وَفِي الصِّحَاحِ: لَمَحَهُ وَأَلْمَحَهُ إِذَا أَبْصَرَهُ بِنَظَرٍ خَفِيفٍ، وَالِاسْمُ اللَّمْحَةُ، وَلَمَحَ الْبَرْقَ وَالنَّجْمَ لَمْحًا أَيْ لَمَعَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ) أَيْ أَشْبَاهَكُمْ فِي الْكُفْرِ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَقِيلَ: أَتْبَاعُكُمْ وَأَعْوَانُكُمْ. (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي من يتذكر. أَيْ جَمِيعُ مَا فَعَلَتْهُ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِمْ، وَهَذَا بَيَانُ قَوْلِهِ: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ). (فِي الزُّبُرِ) أَيْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ. وَقِيلَ: فِي كُتُبِ الْحَفَظَةِ. وَقِيلَ: فِي أُمِّ الْكِتَابِ. (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) أَيْ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ مَكْتُوبٌ عَلَى عَامِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ «١» لِيُجَازَى بِهِ، وَمَكْتُوبٌ إِذَا فَعَلَهُ، سَطَرَ يَسْطُرُ سَطْرًا كَتَبَ، وَاسْتَطَرَ مِثْلُهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ) لَمَّا وَصَفَ الْكُفَّارَ وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا. (وَنَهَرٍ) يَعْنِي أَنْهَارَ الْمَاءِ وَالْخَمْرِ وَالْعَسَلِ وَاللَّبَنِ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَوُحِّدَ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْآيَةِ، ثُمَّ الْوَاحِدُ قَدْ يُنْبِئُ عَنِ الْجَمِيعِ. وَقِيلَ: فِي (نَهَرٍ) فِي ضِيَاءٍ وَسَعَةٍ، وَمِنْهُ النَّهَارُ لِضِيَائِهِ، وَمِنْهُ أَنْهَرْتُ الْجُرْحَ، قَالَ الشَّاعِرُ «٢»:
| مَلَكْتُ بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا | يَرَى قَائِمٌ مِنْ دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا |
(٢). هو قيس بن الخطيم يصف طعنة. وملكت أي شددت وقويت. [..... ]
| إن تلك لَيْلِيًّا فَإِنِّي نَهِرُ | مَتَى أَرَى الصُّبْحَ فَلَا أَنْتَظِرُ |
| لَوْلَا الثَّرِيدَانِ هَلَكْنَا بِالضُّمُرْ | ثَرِيدُ لَيْلِ وَثَرِيدٌ بِالنُّهُرْ |
[تفسير سورة الرحمن]
سورة الرحمن [عز وجل «١»] مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَجَابِرٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِلَّا آية منها هي قوله تعالى: (يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) الْآيَةَ. وَهِيَ سِتٌّ وَسَبْعُونَ آيَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُقَاتِلٌ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّهَا. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ لِمَا رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ قَالُوا: مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا، فَقَالُوا: إِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ، وَإِنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ، فَأَبَى ثُمَّ قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ فَقَالَ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. الرَّحْمنُ. عَلَّمَ الْقُرْآنَ) ثُمَّ تَمَادَى رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا، فَتَأَمَّلُوا وَقَالُوا: مَا يَقُولُ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ؟ قَالُوا: هُوَ يَقُولُ الَّذِي يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبُوهُ حَتَّى أَثَّرُوا فِي وَجْهِهِ. وَصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِنَخْلَةَ، فَقَرَأَ سُورَةَ (الرَّحْمَنِ) وَمَرَّ النَّفَرُ مِنَ الْجِنِّ فَآمَنُوا بِهِ. وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ (الرَّحْمَنِ) مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا، فَقَالَ: (لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ:) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ) قَالُوا لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ) قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرُوِيَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتْلُ عَلَيَّ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ (الرَّحْمَنِ) فَقَالَ: أَعِدْهَا، فَأَعَادَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهُ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَحَلَاوَةً، وَأَسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وَأَعْلَاهُ مُثْمِرٌ، وَمَا يَقُولُ هَذَا بَشَرٌ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (لكل شي عروس وعروس القرآن سورة الرحمن).تم عرض جميع الآيات
10 مقطع من التفسير