تفسير سورة سورة القمر

أبو بكر الحداد اليمني

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل

أبو بكر الحداد اليمني (ت 800 هـ)

الآيات من ١ إلى ٢
﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ ؛ معناهُ : دنَتِ القيامةُ وحدَثَ عَلَمٌ من أعلامِها، وهو انشقاقُ القمرِ، ﴿ وَإِن يَرَوْاْ آيَةً ﴾ ؛ يعني أهلَ مكَّة علامةً تدلُّهم على وحدانيَّة اللهِ ونُبوَّةِ مُحَمَّد ﷺ، ﴿ يُعْرِضُواْ ﴾ ؛ أي يَجحَدُوا، ﴿ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ﴾ ؛ أي شديدٌ قويٌّ من الْمِرَّةِ وهي القوَّةُ.
آية رقم ٣
وقولهُ تعالى :﴿ وَكَذَّبُواْ وَاتَّبَعُواْ أَهْوَآءَهُمْ ﴾ ؛ أي كذبُوا الرُّسُلَ وثَبَتوا على التكذيب وعَمِلُوا بهَوَى أنفُسِهم في عبادةِ الأصنام، ﴿ وَكُلُّ أَمْرٍ ﴾ ؛ بما أخبرَ اللهُ به من الأمُور الماضيةِ والمنتظَرَةِ، ﴿ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ ؛ أي ثابتٌ لا تلحقهُ الزيادةُ والنقصان والتغيير والتبديلُ.
وسببُ نزولِ هذه الآياتِ، هو ما رُوي :" أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً وَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حِينَ قَالَ أبُو جَهْلٍ : وَاللآتِ وَالْعُزَّى! لَئِنْ أتَيْتَ آيَةً كَمَا أتَتْ بهِ الرُّسُلُ قَبْلَكَ لَنُوْمِنَنَّ لَكَ، فَقَالَ ﷺ :" وَمَاذا عَلَيْكَ لَوْ حَلَفْتَ باللهِ الْعَظِيمِ ؟ " فَقَالَ : وَرَب هَذِهِ الْكَعْبَةِ لَئِنْ أتَيْتَ بآيَةٍ كَمَا أتَتْ بهِ الرُّسُلُ قَبْلَكَ لآمَنَّا بكَ ".
وقال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :" اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالُواْ : إنْ كُنْتَ صَادِقاً فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" إنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ ؟ " قَالُواْ : نَعَمْ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَبَّهُ أنْ يُعْطِيَهُ مَا قَالُواْ، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ، فَقَالَ ﷺ :" يَا فُلاَنُ ؛ وَيَا فُلاَنُ ؛ وَيَا فُلاَنٌ : إشْهَدُوا " ".
وعن ابن مسعودٍ قالَ :" أشَارَ إلَى الْقَمَرِ فَانْفَلَقَ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ إحْدَاهُمَا فَوْقَ الْجَبَلِ، وَالأُخْرَى أسْفَلَ مِنَ الْجَبَلِ حَتَّى رَأى الْجَبَلَ بَيْنَ فِلْقَتَي الْقَمَرِ، وَقَالَ :" اشْهَدُوا " فَقَالَ أبُو جَهْلٍ : إنَّ مُحَمَّداً سَحَرَ الْقَمَرَ! ثُمَّ قَالَ أبُو جَهْلٍ لأَصْحَابهِ : ابْعَثُوا بالرُّسُلِ إلَى الْبلاَدِ فَإنْ عَايَنُواْ مِنْ ذلِكَ مَا عَايَنَّا فَهُوَ آيَةٌ، وَإلاَّ فَهُوَ سِحْرٌ. فَبَعَثُواْ الرُّسُلَ إلَى جَمِيعِ الْبلاَدِ، فَإذا النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بانْشِقَاقِ الْقَمَرِ، فَلَمَّا رَجَعُواْ إلَيْهِمْ وَأخْبَرُوهُمْ بهِ قَالُوا : إنَّ هَذا سَاحِرٌ دَاهِي "
آية رقم ٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّنَ الأَنبَآءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ﴾ ؛ يعني أهلَ مكَّة جاءَهم من أخبار الأُمم المكذِّبة في القرآنِ ما فيه مُنتهَى لهم عمَّا هم فيه من الكُفرِ والفُسوقِ.
آية رقم ٥
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ ؛ بدلَ من (مَا) والمعنى : جاءَهم حِكمَةٌ في نِهايَةِ الْحُكْمِ والصَّواب. وَقِيْلَ : المرادُ بالحكمةِ البالغةِ القرآنُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ ؛ ما تُغنِي الرُّسُل صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ عن قومٍ لا يتَدبَّرون ولا يتَفكَّرون في الآية والنُّذر.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ﴾ ؛ أي أعرِضْ عنهم فليسَ عليكَ إجبارُهم على الدِّين، وإنَّما عليكَ إقامةُ الْحُجَّة وقد بالَغْتَ فيها، وهذه الآيةُ منسوخةٌ بآيةِ القتالِ. وهذا وقفٌ تامٌّ، وقوله تعالى ﴿ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ﴾ ابتداءُ الكلامِ كلام.
قال مقاتلُ :(أرَادَ بالدَّاعِي إسْرَافِيلَ يَنْفُخُ قَائِماً عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ) ﴿ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾ ؛ أي إلى أمرٍ فَظِيعٍ لَمْ يرَوا مِثلَهُ فينكرونَهُ استِعظَاماً، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِلَى شَيْءٍ نُّكُرٍ ﴾. وقوله تعالى :﴿ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ ﴾ منصوبٌ على معنى واذْكُرْ.
آية رقم ٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ ﴾ ؛ نُصِبَ على الحالِ مِن يخرجُون، وذلك دليلٌ على تقدُّم الحالِ على الفعلِ المتصَرِّف، وكذلك يقالُ : رَاكباً جاءَ زيدٌ كما يقالُ جاء زيد راكباً، وتقديرهُ : ويُخرَجُون من الأجداثِ خُشَّعاً أبصارُهم.
قرأ أبو عمرٍو ويعقوب وحمزةُ والكسائي وخلف :(خَاشِعاً) بالألفِ، وقرأ الباقون :(خُشَّعاً) على الجمعِ. قال الفرَّاءُ :(يَجُوزُ فِي أسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ التَّوْحِيدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّأْنِيثُ، يُقَالُ : مَرَرْتُ بشَبَابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ، وَحِسَانٍ أوْجُهُهُمْ، وحَسَنَةٍ أوْجُهُهُمْ). وفي قراءةِ عبدِالله :(خَاشِعَةً أبْصَارُهُمْ) أي ذليلةً خاضعةً عند رُؤية العذاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ ﴾ ؛ أي يَخرُجون عندَ النَّفخةِ من القُبور فَزِعِينَ لا يَهتَدُون إلى شيءٍ، يحولُ بعضُهم إلى بعضٍ مثلَ الجرادِ المنتشرِ. والمعنى : أنَّهم يخرُجون فَزِعين لا جهةَ لأحدٍ منهم فيقصِدُها، والجرادُ لا جهةَ له تكون أبداً مختلفةٌ بعضها فوقَ بعضٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ﴾ ؛ أي مُنقَلِبينَ إلى صَوتِ إسرافيلَ نَاظِرين مُتحيِّرين مُسرِعين إليه، ﴿ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَـاذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ ؛ أي صَعْبٌ شديدٌ، قال ابنُ عبَّاس :(عَسِرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ وَسَهْلٌ يَسِيرٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ). والإهْطَاعُ : الإِسْرَاعُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا ﴾ ؛ أي كذبت قبلَ قومِكَ قومُ نوحٍ كما كذبَكَ قومُك، ونَسَبُوا نوحاً إلى الجنُونِ، كما نسبَكَ قومُكَ إلى الجنون، ﴿ وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ﴾ ؛ أي فكذبُوا عَبدَنا نُوحاً وقالوا : مجنونٌ وَزَجَرُوهُ عن دُعَائِهم إياهُم إلى الإيمانِ بالشَّتمِ والوعيدِ، فـ﴿ قَالُواْ لَئِنْ لَّمْ تَنْتَهِ يانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ﴾[الشعراء : ١١٦].
الآيات من ١٠ إلى ١١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ ﴾ ؛ معناهُ : فدَعَا نوحُ ربَّهُ أنِّي مغلوبٌ بينَهم ومقهورٌ، فانتَقِمْ لِي مِمَّن كذبَني، ومعنى قولهِ تعالى ﴿ فَانتَصِرْ ﴾ أي فَانتَقِمْ منهُم لدِينِكَ، وإنما دعَا عليهم بالهلاكِ بعد ما أُذِنَ له في الدُّعاء.
فأجابَ اللهُ دعاءَهُ فقالَ : اللهُ تعالى :﴿ فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ ﴾ أي بماءٍ سَيلٍ مُنْصَبٍّ انْصِبَاباً شَديداً لا ينقطعُ، متدفِّقٌ مع كثرةٍ شديدة، قال الكلبيُّ :(إنْصَبَّ أرْبَعِينَ يَوْماً). وقُرئ (فَفَتَّحْنَا) بالتشديدِ على تكثيرِ الفعل، وذكرُ الأبواب في الآية على معنى أنَّ إجراءَ الماءِ كان بمنْزِلة جَرَيانهِ كأنَّهُ فُتِحَ عنه باباً كان مانِعاً له.
آية رقم ١٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً ﴾ ؛ أي شقَّقنا الأرضَ عُيوناً، ﴿ فَالْتَقَى المَآءُ ﴾ ؛ ماءُ السَّماء وماءُ الأرضِ ؛ ﴿ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ﴾ ؛ في اللَّوح المحفوظِ وهو هلاكُ القومِ، وقرأ الحجدري :(فَالْتَقَى الْمَاءَانِ).
الآيات من ١٣ إلى ١٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ ﴾ ؛ معناهُ : وحَملنا نُوحاً ومَن آمَنَ معه على سفينةٍ ذاتِ ألواحٍ وهي خشَبَاتُها، ﴿ وَدُسُرٍ ﴾ يعنِي المساميرَ يُشَدُّ بها الألواحُ واحدها دِسَارٌ، والمعنى على سفينةٍ ذات ألواحٍ ومَسامِيرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ﴾ ؛ أي تجرِي بحِفظِنا، ووَحينا وأمرِنا حتى لا يقعَ فيها شيءٌ من الماءِ وتتكسَّرُ ولا تغرَقُ، وقوله تعالى :﴿ جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ ؛ أي فعَلنا ذلك مِن إنجائهِ وإغراقِهم ثَواباً لِمَن كُفِرَ به وجُحِدَ أمرهُ، وهو نوحُ عليه السلام كفرَهُ قومهُ وجَحَدُوا به، وقرأ مجاهدُ (جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ) بفتحِ الكافِ والفاء، يعني كان الغرقُ جَزاءً لِمَن كفرَ باللهِ وكذبَ رسولَهُ.
آية رقم ١٥
قولهُ تعالى :﴿ وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً ﴾ ؛ يعني ترَكنا هذه الفعلةَ، ويقالُ : السفينةُ التي يصنَعُها الناسُ على مثالِ سفينة نُوحٍ عليه السلام علامةٌ للناسِ ليَعتَبروا ويستَدِلُّوا بها على توحيدِ الله، ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ؛ فهل من مُتَّعظٍ مُعتَبرٍ متدَبرٍ متفَكِّرٍ يعلمُ أنَّ ذلك حقٌّ فيعتبرُ.
آية رقم ١٦
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ؛ معناهُ : فَانظُرْ يا مُحَمَّدُ كيف كان عُقوبَتي فيمَن أنذرَهم الرسلُ فلم يُؤمنوا، وهذا استفهامٌ ومعناهُ : التعظيمُ لذلكَ العذاب، وهذا تخويفٌ لِمُشرِكي مكَّة.
آية رقم ١٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ﴾ ؛ أي سهَّلنَاهُ للحِفْظِ والقراءةِ والكتابة، وقال سعيدُ بن جُبير :(لَيْسَ كِتَابٌ مِنْ كُتُب اللهِ يُقْرَأُ كُلُّهُ ظَاهِراً إلاَّ الْقُرْآنُ)، وقولهُ تعالى :﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ؛ أي فهَلْ ذاكِرٌ يذكرهُ وقَارئٌ يقرؤهُ، ومعناه : الحثُّ على قراءةِ القرآن ودَرسهِ وتعلُّمهِ، ولولا تسهيلُ اللهِ علينا ذلك لم يستطِعْ أحدٌ أن يَلْفِظَ بهِ.
الآيات من ١٨ إلى ١٩
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾ ؛ أي باردةٍ شَديدَةِ البردِ وشديدةِ الْهُبُوب، ﴿ فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ ؛ أي يومٍ مَشْؤُومٍ عليهم، دائمِ الشُّؤمِ، رُوي : أنه كان يومَ الأربعاءِ الذي في آخرِ الشَّهر لا يدورُ. ويقال : معنى قولهِ ﴿ مُّسْتَمِرٍّ ﴾ استمرَّ بهم العذابُ إلى نار جهنَّم.
آية رقم ٢٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ ؛ أي تَقلَعُ الناسَ من الأرضِ من تحتِ أقدامِهم، ثم تَرمِي بهم على رُؤوسِهم فتدقُّ رقابَهم وتقطعُ أعناقَهم، فتُبقِي أجسادَهم كأنَّها أعجازُ نخلٍ مُقَطَّعٍ.
ويقالُ في معنى ﴿ تَنزِعُ النَّاسَ ﴾ لأنَّهم ضُرِبُوا بأرجُلِهم في الأرضِ فغَيَّبوها إلى قريبٍ مِن رُكوبهم وقالوا : قُل للرِّيحِ حتى يرفَعنا، فجُعلت الريحُ تدخلُ تحتَ أقدامِهم وترفعُ كلَّ اثنين وتضرِبُ بأحَدِهما إلى الآخرِ في الهواء، ثم تُلقِِيهما في الوادِي، والباقون ينظُرون إليهم حتى رفَعتهم كُلَّهم وصيَّرتْهم في الأرضِ ﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾ أي سَاقِطٍ، ثم رَمَت بالتُّراب عليهم، فكان يُسمَعُ أنِينُهم من تحتِ التُّراب.
يقالُ : قَعَرَ النَّخلةَ إذا قلَعتَها من أصلِها حتى تسقُطَ، شبَّهَهم في طُولِهم حين صرَعتهم الريحُ وكَبَّتْهُم على وُجوهِهم بالنَّخلة الساقطةِ على الأرضِ التي ليس لها رُؤوس، وذلك أنَّ الريح قَلعَتْ رُؤوسَهم أوَّلاً ثم كبَّتهم على وُجوهِهم.
الآيات من ٢١ إلى ٢٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ ؛ إنما كرَّرَهُ لأنه ذكر في كلِّ فَصلٍ نَوعاً من الإنذار والتَّعذيب، انعقدَ التذكيرُ شيء شيء منه على التفصيلِ.
قال ابنُ الأنبَاريِّ :(وَسُئِلَ الْمُبَرِّدُ عَنْ ألْفِ مَسْأَلَةٍ هَذِهِ مِنْ جُمْلَتِهَا : وَهُوَ أنَّ السَّائِلَ قَالَ لَهُ : مَا الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِهِ﴿ جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾[يونس : ٢٢] وَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً ﴾[الأنبياء : ٨١]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ ﴾[القمر : ٢٠] و﴿ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾[الحاقة : ٧]، فَقَالَ : كُلُّ مَا وَرَدَ عَلَيْكَ مِنْ هَذا الْبَاب فَلَكَ أنْ تَرُدَّهُ إلَى اللَّفْظِ تَذْكِيراً، وََلَكَ أنْ تَرُدَّهُ إلَى الْمَعْنَى تَأْنِيثاً).
الآيات من ٢٣ إلى ٢٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ﴾ ؛ أي بالإنذار الذي جاءَهم به صالِحُ عليه السلام، ﴿ فَقَالُواْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ ﴾ ؛ أي هو آدَمِيٌّ مِثلُنا وهو واحدٌ فلا نكون له تَبعاً، ﴿ إِنَّآ إِذاً ﴾ ؛ إنْ فعَلنا ذلك، ﴿ لَّفِي ضَلاَلٍ ﴾ ؛ وذهابٍ عن الحقِّ، ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ ؛ أي وشقاءٍ وشدَّةِ عذابٍ مما يُلزِمُنا من طاعتهِ، وقال عطاءُ :(مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿ وَسُعُرٍ ﴾ أيْ وَجُنُونٍ، مِنْ قَوْلِهِمْ : نَاقَةٌ مَسْعُورَةٌ ؛ إذا كَانَ بهَا جُنُونٌ مِنَ النَّشَاطِ، وَهُوَ مِنْ سُعُرِ النَّار إذا الْتَهَبَتْ).
الآيات من ٢٥ إلى ٢٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا ﴾ ؛ أنْكَروا أنْ يكون الوحيُ يأْتِيهِ، فقالوا : كيف خُصَّ مِن بيننا بالنُّبوَّة والوحيِ، ﴿ بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ﴾ ؛ فيما يقولُ، ﴿ أَشِرٌ ﴾ أي بَطِرٌ متَكَبرٌ يريدُ أن يتكبَّرَ علينا بالنبوَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً ﴾ ؛ حين ينْزِلُ بهم العذابُ، يعني يومَ القيامةِ، ﴿ مَّنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴾ ؛ أهُمْ أمْ صَالِحُ؟.
آية رقم ٢٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ ﴾ ؛ أي إنَّا مُخرِجو الناقةِ من الصَّخرة تَشديداً عليهم في التكليفِ، وذلك أنَّهم تَعَنَّتُوا صَالحاً فسأَلُوا أن يُخرِجَ لَهم من صخرةٍ حمراءَ عشراءَ، وقوله :﴿ فَارْتَقِبْهُمْ ﴾ ؛ أي فانتظِرْهم ما هم صَانِعون، ﴿ وَاصْطَبِرْ ﴾ ؛ على أذاهُم ولا تَعْجَلْ حتى يَأْتِيَهُمْ أمرِي.
آية رقم ٢٨
قوله :﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ﴾ أي أخبرهُم أنَّ الماءَ مقسومٌ بين الناقةِ ووَلَدِها وبينهم وبين مَواشِيهم، يومٌ لَهُما ويومٌ لَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ ﴾ ؛ أي كلٍّ منهم يحضرُ نَوبَتَهُ، فتحضرُ الناقةُ وولدُها يومَ نَوبَتِهما، ويحضرُ القومُ يومَ نَوبَتهم. والشِّرْبٌ : نصيبٌ من الماءِ، والشُّرْبُ - بضم الشِّين - : فعلُ الشَّارب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ ﴾ ؛ أي نادَوا قُدَارَ بنَ سَالِفٍ عَاقِرَ الناقةِ، ﴿ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ ﴾ وذلكَ أنَّهم لَمَّا مكَثُوا قسمةَ الماء زَماناً، ثم ضاقَ عليهم الأمرُ على مواشِيهم بسبب الناقة، غلبَ عليهم الشَّقاءُ، وتوَطَأَ طائفةٌ منهم على قَتلِها، فنادَوا صاحبَهم الذي كَمَنَ لهما.
وذلك أنه رمَاها رجُلٌ منهم يقالُ له : مصدع بن دَهْرٍ بسَهمٍ فضَرَبَها على سَاقِها، فنادَوا قُدَارَ بن سالف، وقالوا له : دونَكَ الناقةُ قد مرَّتْ بكَ فاضرِبْها، فتعاطَى قُدارُ عقرَ الناقةِ، فعقَرَها بأنْ ضربَ ساقَها الأُخرى فسَقطَتْ على جَنبها، وقطَّعُوا لَحمَها وقسَموهُ، فعاقبَهم اللهُ بصيحةٍ فأَهلَكَهم وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ﴾ ؛ قال عطاءُ :(يُرِيدُ صَيْحَةَ جِبْرِيلَ عليه السلام أسْمَعَهُمُ الله إيَّاهَا فَهَلَكُواْ، وَصَارُواْ كَالْوَرَقِ الْمُتَهَشِّمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صَاحِبُ الْحَضِيرَةِ إذا يَبسَ غَايَةَ الْيُبْسِ، وَتَحَطَّمَ غَايَةَ الانْحِطَامِ).
قال ابنُ عبَّاس :(هُوَ رَجُلٌ يَجْعَلُ الْغَنَمَةَ حَظِيرَةً بالشَّجَرِ وَالشَّوْكِ لِيَحْرُسَهَا مِنَ السِّبَاعِ، فَمَا سَقَطَ مِنْ وَرَقِ ذلِكَ الشَّجَرِ وَيَبسَ، وَدَاسَتْهُ الْغَنَمُ وَتَحَطَّمَ وهَوَ الْهَشِيمُ). وقال ابنُ زيدٍ :(الْهَشِيمُ هُوَ الشَّجْرُ الْبَالِي الَّذِي تَهَشَّمَ حَتَّى ذرَّتْهُ الرِّيحُ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ كَانَ رَطِباً فَيَبسَ فَهُوَ هَشِيمٌ) ﴿ وَلَقَد يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً ﴾ ؛ أي ريحاً تَرمِيهم بالْحَصْبَاءِ، والحصباءُ : هي الحجارةُ التي هي دُونَ مِلْءِ الكَفِّ، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ مَا صُبُّوا بهِ مِنَ السَّمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ)، وقولهُ تعالى :﴿ إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ ﴾ ؛ يعنِي بنْتَيْهِ وزَوجتَهُ المؤمنةُ، نَجَّاهم اللهُ من العذاب، ﴿ نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا ﴾ ؛ بأَنْ أمَرَهم بالخروجِ في وقت السَّحَر، وكانت نَجَاتُهم نعمةً من اللهِ عليهم، ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ ﴾ ؛ وكذلك يَجزِي اللهُ كُلَّ مَن عرفَ إنعَامَهُ وقابلَهُ بالشُّكرِ.
آية رقم ٣٦
قَوْلُهُ تعَالَى :﴿ وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا ﴾ ؛ أي خوَّفَهم لوطُ عذابَنا، ﴿ فَتَمَارَوْاْ بِالنُّذُرِ ﴾ ؛ فشَكُّوا في الإنذار ؛ أي فتَدافَعوا بالْحِجَاجِ البَاطِلِ، ويقالُ : جادلوهُ في أمرِ الرِّسالةِ ولم يُصدِّقوهُ.
آية رقم ٣٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ ﴾ ؛ أي طلَبُوا أن يُسَلِّمَ إليهم أضيافَهُ وهم الملائكةُ قَصْداً منهم إلى عمَلِهم الخبيث، فأمرَ اللهُ جبريلَ أن يَصْفِقَ بجناحهِ فأعمَاهُم فبَقوا حَيارَى، ومعنى :﴿ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ ﴾ ؛ أي أعمَينَاهُمْ وصيَّرناهم كسائرِ الوجهِ لا يُرَى له شَقٌّ، فكانوا عُمياناً متحيِّرين لا يهتدون إلى الباب، فقيل لَهم :﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ ﴾ ؛ يقال : فلانٌ مَطمُوسُ البصَرِ إذا كان موضعُ عَينَيه أملسَ، لا أثرَ به للعَينِ من الْجَفْنِ والْحَدَقَةِ.
الآيات من ٣٨ إلى ٤٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً ﴾ ؛ أي أتَاهم العذابُ صَباحاً، يعني أخَذهم عند الصُّبحِ، ﴿ عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ ﴾ ؛ عذابٌ دَائِمٌ متَّصِلٌ بعذاب الآخرةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ ﴾ ؛ قد مضَى تفسيرهُ.
الآيات من ٤١ إلى ٤٢
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ المرادَ بالنُّذُر : موسَى عليه السلام وهارون، وأسماءُ الجمعِ يطلَقُ على الاثنين. وَقِيْلَ : أرادَ به الآياتِ التي فيها الإنذارُ، وَقِيْلَ : المواعظُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ ﴾ ؛ أي فأخذنَاهم بالعذاب، ﴿ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ ؛ غالبٍ في انتقامه، متقدرٍ قادرٍ على إهلاكِهم، والعزيزُ القويُّ الذي لا يلحقهُ ضَعْفٌ ولا عجزٌ، ولا يعتَريهِ منعٌ ولا دفعٌ.
آية رقم ٤٣
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ ﴾ ؛ معناهُ : أكُفَّارُكم يا أهلَ مكَّة أشدُّ وأقوَى من أُولَئِكُمْ الذين قصَصنا ذِكرَهم، وهذا استفهامٌ ومعناهُ الإنكارُ ؛ أي لَيسُوا أقوَى من قوم نوح وعادٍ وثَمود. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزُّبُرِ ﴾ ؛ معناهُ : ألَكُمْ براءةٌ من العذاب في الكُتب لن يُصيبَكم ما أصابَ الأُمم الخاليةَ.
آية رقم ٤٤
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ ﴾ ؛ معناهُ : أم يقولون نحنُ جميعٌ واحد ومتَّفِقُون على الانتصار من أعدائنا، ووُحِّدَ المنتصرُ للفظِ الجميع وهو واحدٌ في اللفظِ.
آية رقم ٤٥
قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ ؛ أي سيُهزَمُ الجمعُ كفَّارُ مكة يومَ بدرٍ، ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ مُنهَزِمِين. ومعنى الآية : أنَّ كفار مكَّة يقولون :﴿ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ﴾ أي جماعةٌ لا تُضَامُ ولا تُرَامَ، ولا يصُدُّنا أحدٌ بسوءٍ ولاء، ولا أحدٌ يفَرِّقُ جَمعَنا، وكان من حقِّه أن يقولَ : نحنُ جميع منتصرون ؛ إلاَّ أنه تَبعَ رؤوسَ الآيِ. وقوله تعالى :﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴾ قراءةُ الكافَّة بالياءِ على ما لَمْ يُسَمَّ فاعلهُ. وقرأ يعقوبُ بالنون وكسرِ الزاي (الْجَمْعَ) بالنصب.
وإنما وحَّدَ الدًُّبر لأجلِ رُؤوسِ الآي، قال مقاتلُ :(ضَرَبَ أبُو جَهْلٍ فَرَسَهُ يَوْمَ بَدْرٍ وَتََقَدَّمَ الصَّفَّ، وَقَالَ : نَحْنُ نَنْتَصِرُ الْيَوْمَ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأصْحَابهِ، فَهَزَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى).
آية رقم ٤٦
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ ؛ فيه بيانُ ما نزَلَ بهم من القتلِ والأسرِ ببدرٍ لم يكن كَافياً في عُقوبَتهم، بلِ القيامةُ موعِدُهم، والقيامةُ أعظَمُ في الدَّهاءِ وأشَدُّ مَرارةً من القتلِ والأسرِ في الدُّنيا، وكلُّ دَاهِيَةٍ فمعناها الأمرُ الشَّديدُ.
آية رقم ٤٧
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ ؛ أرادَ بالضَّلال الذهابَ عن الصَّواب في الدُّنيا، وبالسُّعُرِ عذابَ النار في العُقبَى.
آية رقم ٤٨
وقولهُ تعالى :﴿ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ ؛ يوم تَجُرُّهم الملائكةُ في النار على وُجوهِهم فيقولُ لهم :﴿ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ ؛ وسَقَرُ اسمٌ من أسماءِ دَرَكَاتِ جهنَّم.
قال أبو أُمَامَةَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ :" إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْقَدَريَّةِ :﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ ﴾ ".
وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قالت : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ الْقَدَريَّةُ، وَهُمُ الْمُجْرِمُونَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللهُ ﴿ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ ﴾ ".
وعن هشامِ بن حسَّان قالَ : سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ :(وَاللهِ لَوْ أنَّ قدرياً صَامَ حَتَّى يَصِيرَ كالْجَبَلِ، ثُمَّ صَلَّى حَتَّى يَصِيرَ كَالْوَتَرِ، ثُمَّ أُخِذ ظُلْماً وَزُوراً حَتَّى ذُبحَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ، لَكَبَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى وَجْهِهِ فِي سَقَرٍ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ : ذُقْ مَسَّ سَقَرْ).
آية رقم ٤٩
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾ ؛ معناهُ : كلُّ ما خلَقْنا فمَقدورٌ ومكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ قبل وُقوعهِ.
عن رسولِ الله ﷺ أنه قالَ :" إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدَّرَ الْمَقَادِيرَ وَتَدَبَّرَ التَّقْدِيرَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ آدَمَ عليه السلام بأَلْفَي عَامٍ " وَقَالَ عليه السلام :" الإيْمَانُ بالْقَدَر يُذْهِبُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ " وانتصبَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ بفِعلٍ مُضمَرٍ ؛ كأنه قالَ : إنَّا خلَقنَا كلَّ شيءٍ بقَدَرٍ.
وعن عمر رضي الله عنه قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" إذا جَمَعَ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَادَى مُنَادٍ يَسْمَعُهُ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ : أيْنَ خُصَمَاءُ اللهِ ؟ فَتَقُومُ الْقَدَريَّةُ فَيُقَالُ لَهُمْ : ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرٍ ".
آية رقم ٥٠
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ﴾ ؛ معناهُ : وما أمرُنا بقيامِ السَّاعة أو غيرِ ذلك إلاَّ كلمةً واحدةً لا تُثنَّى كطَرفِ البصرِ، بل هو أسرَعُ، ومعنى اللَّمْحِ : النَّظرُ بالعجَلةِ.
آية رقم ٥١
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ ﴾ ؛ معناهُ : ولقد أهلَكنا أشبَاهَكُم ونُظرَاءَكم في الكُفرِ من الأُممِ الماضية، ﴿ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾، هل من مُتَّعِظٍ يتَّعِظُ بهم.
الآيات من ٥٢ إلى ٥٣
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ﴾ ؛ ومعناهُ : كلُّ شيءٍ فعَلوهُ وقالوا مِن خيرٍ أو شرٍّ ؛ يعني الأشياعَ ؛ مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ قبلَ أنْ يفعلوهُ، ﴿ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ﴾ ؛ من الذُّنوب والخلقِ والأعمال، ﴿ مُّسْتَطَرٌ ﴾ ؛ مكتوبٌ على فَاعلهِ قبلَ أنْ يفعلوهُ، تكتبهُ الملائكةُ في ديوانٍ ليَجزِيَهم اللهُ على أفعالِهم.
الآيات من ٥٤ إلى ٥٥
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذين يتَّقُونَ الشِّركَ والكبائرَ والفواحشَ في بساتين وأنْهَار جاريةٍ من الماءِ والخمرِ واللَّبن والعسلِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ﴾ ؛ أي مجلسٍ حَسَنٍ وموضعٍ قرارٍ وأمنٍ من وُقوعِ الحوادثِ، ﴿ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ﴾ ؛ أي عند مَلِيكٍ قادرٍ على الثَّواب والعقاب، قادرٍ لا يعجزهُ شيءٌ وهو الله عَزَّ وَجَلَّ، ومَقْعَدُ الصِّدقِ هو الجنَّةُ، مدحَ اللهُ المكان بالصِّدقِ، ولا يقعدُ فيه إلاَّ أهلُ الصِّدقِ.
وإنما قال (وَنَهَرٍ) مُوَحِّداً لأجلِ رُؤوسِ الآيِ كقوله تعالى :﴿ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾[القمر : ٤٥]، وقال الضحَّاكُ :(مَعْنَاهُ : فِي فَضَاءٍ وَسِعَةٍ وَنُورٍ وَمِنْهُ النَّهَارُ، وَمِنْ ذلِكَ نَهَرْتُ الْفِضَّةَ إذا وَسَّعْتَهَا)، وقرأ الأعرجُ وطلحة (وَنُهُرٍ) بضمَّتين كأنه جمعُ نَهَارٍ لا ليلٍ.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

38 مقطع من التفسير