تفسير سورة سورة مريم

أبو عبيدة

مجاز القرآن

أبو عبيدة (ت 210 هـ)

فَهَبْ ليِ مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً أي من عندك ولداً ووارثاً وعضداً رضياً يرثني ؛ يرفعه قوم على الصفة، مجازه : هب لي ولياً وارثاً، يقولون : ائتني بدابة أركبها، رفع لأن معناها : ائتني بدابة تصلح لي أن أركبها ؛ ولم يرد الشرط ومن جزمه فعلى مجاز الشريطة والمجازاة كقولك : فإنك إن وهبته لي ورثني.
يَا زَكَريَّا مجازه مجاز المختصر كأنك قلت : فقلنا يا زكريا وفيه ثلاث لغات : زكرّياء ممدود، وزكرّيا ساكن، وزَكَرىٌّ تقديره بختِيٌّ.
آية رقم ١٣
وَحَنَانا مِّن لَّدُنَّا أي رحمة من عندنا، قال امرؤ القيس ابن حجر الكندي :
ويمنَحُها بنو شَمَجي بن جَرْمٍ مَعِيزَهُمُ حَنَانكَ ذا الحَنانِ

وقال الحطيئة :
تَحنَّنْ علىَّ هداكَ المليك فإن لكل مقامٍ مقالا
أي ترحم، وعامة ما يستعمل في المنطق على لفظ الاثنين، قال طرفة العبدي :
أبا مُنْذر أفنيت فاستبق بِعضنَا حَنانَيْكَ بعض الشرّ أهونُ من بعضِ
إذِ انْتَبَذتْ مِنْ أَهْلِهَا اعتزلت وتنحت.
مَكَاناً شرْقِيّاً مما يلي المشرق وهو عند العرب خير من الغربي الذي يلي المغرب.
فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إلىَ جِذْعِ النَّخْلِة مجازها أفعلها من جاءت هي وأجاء غيرها إليه، ؟يقال في المثل : شر ما أجاءني إلى مخه عرقوب، وقال زهير :
وجارٍ سار معتمداً إليكم أجاءتْه المخافُة والرَّجاء
وكنْتُ نِسْياً مَّنْسِياً وهو ما نُسي مِن عصاً أو أدواةٍ أو غير ذلك، قال الشنفري :
كأَنَّ لها في الأرض نَسْياً تَقُصُّه على أَمِّها وإنْ تُحَدّثْك تَبْلَتِ

أي تقطع الحديث استحياءً وقال الكميت :
أتجعلنا قيسٌ لِكلب بضاعةً ولسْتُ بِنسيٍ في مَعّد ولا دَخلِ

وقال دكين الفقيمي :

كالنَّسْي مُلْقىً بالجَهادِ البَسْبَسِ ***
الجهاد غلظٌ من الأرض.
سَرِيّاً أي نهراً، قال لبيد بن ربيعة :
فرمى بها عُرْضَ السَّرِيِّ فغادرا مسجورةً متجاورِاً قُلاّمُها
مسجورة أي مملوءة، القلام شجر يشبه القاقلي وهو نبت.
آية رقم ٢٥
وَهُزِّي إِلَيْك بِجِذْعِ النَّخْلِة مجازه : هُزّي إليك جذع النخلة، الياء من حروف الزوائد، وقال :
نَضرب بالبِيض ونرجو بالفَرَجْ ***
معناه : ونرجو الفرج.
يَسَّاقَطْ عَلَيْكِ من جعل يساقط بالياء فالمعنى على الجذع ومن جعله بالتاء فالمعنى على النخلة وهي ساكنة إذا كانت في موضع المجازات وموضع يسَّاقط في موضع يسقط عليك رطباً جنياً والعرب تفعل ذلك، قال أوفى ابن مطرٍ المازني :
تخاطَّأَت النَّبلُ أَحشاءَه وأُخِّر يَومى فلم يُعَجلِ
تخاطَّأت وهو في موضع أخطأت، وقال الأعشى :
ربي كريمٌ لا يكدِّر نِعمةً وإذا تُنُوشد بالمهَارِقِ أنشدا
هو في موضع نشد، أي سئل بالمهارق وهي الكتب، قال أمرؤ القيس :
ومثِلك بيضاءِ العوارضِ طَفْلةٍ لَعوبٍ تنَاساِني إذا قمتُ سِربالِي

في معنى تنسيني. وقال جرير :
لولا عظامُ طَرِيفٍ ما غفرتُ لكم بيعى قرايَ ولا نسَّأتكم غَضَبي
أي ما أنسأتكم لولا عظام طريف، يعني طريف بن تميم العنبري، قتله حمصيصة الشيباني، وهو ابن شراحيل.
إنيَّ نَذَرْتُ للرِحَّمْنِ صَوْماً يقال لكل ممسك عن شيء من طعام أو شراب أو كلام أو عن أعراض الناس وعيبهم صائم، قال النابغة الذبياني.
خَيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمة تحتَ العَجَاج وخيلٌ تَعْلُكُ الُلجُما
شيئاً فَريّاً أي عجباً فائقاً، وكذلك كل شيء فائق من عجب أو عمل أو جرى فهو فريٌ.
مَنْ كاَنَ فيِ الْمَهْدِ صَبِيَّاً ول كان مواضع، فمنها لما مضى، ومنها لما حدث ساعته وهو : كيف نكلم من حدث في المهد صبياً، ومنها لما يجيئ بعد في موضع يكون والعرب تفعل ذلك، قال الشاعر :
إن يَسمعوا رِيبة طاروا بها فَرحاً منى وما يَسمعوا من صالح دَفَنوا
أي يطيروا ويدفنوا. وكاَنَ اللهُ عَليماً حَكيِماً فيما مضى والساعة، وفيما يكون ويجي كان أيضاً زائدة ولا تعمل في الاسم، كقوله :
فكيف إذا رأيت دِيارَ قومٍ وجِيرانٍ لهم كانوا كِرامِ
والمعنى وديار جيرانٍ كرامٍ كانوا، وكانوا فضلٌ لأنها لم تعمل فتنصب القافية، قال غيلان بن حريث الربعي :
إِلى كِناسٍ كان مستعيِدِه ***
وكان فضل، يريد إلى كِناسٍ مستعيدِ، وسمعت قيس بن غالب البدري يقول : ولدت فاطمة بنت الخرشب الكملة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم، أي لم يوجد مثلهم، كان فضل.
لاَ يَسْمَعُون فِيهَا لَغْواً أي هذراً وباطلاً إلاّ سلاماً فالسلام ليس من اللغو والعرب تستثني الشيء بعد الشيء وليس منه وذلك أنها تضمر فيه، فكان مجازه : لا يسمعون فيها لغواً إلا أنهم يسمعون سلاماً، قال :
يا بَن رُقَيع هل لها من مَغْبَقِ ما شَرِبتْ بعد طَوِيِّ الكُرْبَق
من قَطرةٍ غير النجاءِ الأدْفقِ **
فاستثنى النجاء من قطرة الماء وليس منها، قال أبو جندب الهذلي :
نَجا سالمٌ والنفسُ منه بشِدْقه ولم بنَجْ إلاّ جفْنُ سَيفِ ومئزَرا
ولسيا منه.
هَلْ تَعْلَمُ لَهَ سَمِيّاً هل تعرف له نظيراً ومثلاً، إذا كان بعد هل تاء ففيها لغتان فبعضهم يبين لام هل وبعضهم يخمدها فيقول :" هتَّعلم "، كأنها أدغمت اللام في التاء فثقلوا التاء.
آية رقم ٦٨
حَوْلَ جَهَنَّمِ جِثيِاًّ جمع جاثٍ، خرج مخرج فاعل والجميع فعول، غير أنهم لا يدخلون الواو في المعتل.
آية رقم ٧٠
صِليّاً مصدر " صليت تصلى " خرج مخرج فعلت فعولاً ولا يظهرون في هذا أيضاً الواو.
وَأَحْسَنُ نَدِيّاً أي مجلساً والندى والنادي واحد، قال حاتم طي :
ودُعيتُ في أُولَى النَّدِىِّ ولم يُنظَر إليَّ بأَعْيُن خُزْرِ
والجميع منها أندية، قال سلامة بن جندل :
يَوْمانِ يومُ مقَاماتٍ وأنديةٍ ويوم سُير إلى الأعداء تأويبِ
آية رقم ٧٤
أثَاثاً أي متاعا وهو جيد المتاع.
ورِئْياً وهو ما ظهر عليه ورأيته عليه.
آية رقم ٧٧
أَفَرَأَيْتَ الذَّيِ كَفَرَ بِآيَاتَنَا إذا استفهموا ب رأيت فمنهم من يدعها على حالها كأنه لم يعده أحدث فيها شيئاً كما أحدث في يَرَى فيبقى همزتها، ومنهم من يرى أنه أحدث فيها شيئاً فيدع همزتها، قال أبو الأسود :
أَرَيْتَ اَمْرَءاً كنتُ لم أبْلُهُ أتاني فقال اتَّخِذْني خليلا
فخاللتُه ثم أكرمتُه فلم أستفد مِن لَديه فَتِيلا
ألستُ حقيقاً بتوديعه وإِتباعِ ذلك صَرْماً جميلا

وقال المتوكل الليثي :
أرأيتَ إن أهلكتُ مالِيَ كلَّه وتركت مالَك فيمَ أنْتَ تلومُ
آية رقم ٨٣
تَؤُزُّهُمْ أزَّاً أي تهيجهم وتغوبهم، فقال رؤبة :
لا يأخذ التأفيكُ والتَّحزّي فينا ولا قذفُ العُدَى ذو الأَزِّ
العدى بضم العين الأعداء، والعدى بكسر العين الغرباء.
آية رقم ٨٦
إلَى جَهَنّمَ وِرْداً مصدر " وَرَد يَردِ ".
آية رقم ٨٩
جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً عظيماً من أعظم الدواهي، قال رؤبة :
نَطَحَ بَني أُدٍ رؤوس الأدادْ ***

وقال :
كيْلاً على دُجوَةَ كَيْلا إدّاً كيْلا عليه أربعين مُدّا
وكذلك } إمْراً } وكذلك شيئاً نُكْراً وكذلك شَيْئاً فَرِيّاً عظيماً من أعظم الدواهي.
آية رقم ٩٠
تَكاَدُ السَّموَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ أي يتشققن كما يتفطر الزجاجة والحجر، ويقال : فطر نابه إذا شق نابه.
وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدَّاً مصدر هددت، أي سقطت ؛ فجاء مصدره صفةً للجبال.
آية رقم ٩١
أَنْ دَعَوْا للِرَّحمْنِ وَلَداً وليس هو من دعاء الصوت، مجازه : أن جعلوا لله ولداً، قال الشاعر :
أَلا رُبَّ مَن تدعو نصيحا وإن تغب تجده بغيب غير منتصِح الصدْرِ

وقال ابن أحمر :
أهْوَى لها مِشْقَصاً حَشْراً فَشَبْرقَها وكنتُ أدعو قَذاها الإثمِدَ القَرِدا
القرد المنقطع من الإثمد يلزم بعضه بعضاً، أدعو أجمل ؛ الحشر السهم الذي حشر حشراً، وهو المخفف الريش ويقال للحمار : حشرٌ، إذا كان خفيفاً، وللرجل إذا كان صدعاً، والصدع : الربعة من الرجال.
آية رقم ٩٦
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدَّاً أي محبة، وهو مصدر " وددت "، سيجعل لهم أي سيثيبهم ويزرقهم ذلك.
قَوْماً لُدّاً واحدهم : ألد، وهو الشديد الخصومة الذي لا يقبل الحق ويدعي الباطل، قال مهلهل :
إنّ تحت الأحجار حَدَّاً وليناً وخَصيماً أَلدّ ذا مِغلاقِ
ويروى مغلاق الحجة عن أبي عبيدة وقال رؤبة :
أَسْكَتَ أَجراسَ القُرُوم الألواد الضَّيْغَمّياتِ العِظام الألدادْ
رِكْزاً الركز : الصوت الخفي والحركة كركز الكتيبة، قال لبيد :
فتوجَّست رِكْزَ الأَنيس فَرابَها عن ظهر غيبٍ والأنيسُ سَقامُها
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

32 مقطع من التفسير