تفسير سورة سورة القمر

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تفسير السمعاني

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي (ت 489 هـ)

الناشر

دار الوطن، الرياض - السعودية

الطبعة

الأولى، 1418ه- 1997م

المحقق

ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم

نبذة عن الكتاب

لأبي المظفر السمعاني (ت: 489)، وهو من التفاسير النافعة القائمة على مذهب أهل السنة والجماعة، فعقيدة المؤلف ومباحثه العقدية هي أهم ما تميز به هذا التفسير، فقد اهتمَّ فيه ببيان عقيدة أهل السنة والجماعة، والردِّ على أهل البدع والأهواء، ودحض شبهاتهم وأباطيلهم، فما من آية في القرآن اتخذها أهل البدع والأهواء دليلاً لنصرة مذهبهم، أو صرفوها عن ظاهرها وأوَّلوها، إلا رأيته متصدياً لهم، مبطلاً لبدعهم، ومنتصراً لمذهب أهل السنة والجماعة، وقد أكثر من ذلك على مدار تفسيره كله، بالإضافة إلى ترجيحه بين الأقوال، والاستشهاد بالشعر على المعاني اللغوية، إلى غير ذلك من الفوائد التي اشتمل عليها تفسيره، ويؤخذ عليه ذكره لكثير من الأحاديث دون بيان حكمها صحةً وضعفاً، أو عزوها إلى مصادرها.
وقد طبع في ستة مجلدات بدار الوطن بالسعودية، وحققه أبو تميم ياسر بن إبراهيم، وأبو بلال غنيم بن عباس بن غنيم.

مقدمة التفسير

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة القمر
وهي مكية إلا قوله تعالى :( سيهزم الجمع ويولون الدبر )١ والآية التي بعدها.
١ - القمر : ٤٥..
آية رقم ١
قَوْله تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة﴾ أَي: دنت الْقِيَامَة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿أزفت الآزفة﴾، وَمثل قَوْله: ﴿اقْترب للنَّاس حسابهم﴾، وَقد روى أنس أَن النَّبِي خطب عِنْد مغيربان الشَّمْس حَتَّى كَادَت تغرب، فَقَالَ: " مَا بَقِي من الدُّنْيَا فِيمَا مضى إِلَّا كَمَا بَقِي من هَذَا الْيَوْم فِيمَا مضى مِنْهُ ". وَعَن كَعْب ووهب: أَن مُدَّة الدُّنْيَا سَبْعَة آلَاف سنة، وَالَّذِي يمضى هُوَ الْألف السَّابِع.
وَقَوله: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾ روى ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحن مَعَ رَسُول الله بمنى فانشق الْقَمَر فلقَتَيْنِ، فلقَة وَرَاء الْجَبَل، وَفلقَة دونه، وَأنزل الله تَعَالَى ﴿اقْتَرَبت السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر﴾. وَعَن ابْن عَبَّاس: أَن الْمُشْركين سَأَلُوا من النَّبِي آيَة. وَرُوِيَ أَنهم قَالُوا لَهُ إِن كنت صَادِقا فشق الْقَمَر لنا حَتَّى نرى قِطْعَة مِنْهُ على أبي قبيس، وَقطعَة مِنْهُ على (قعيقعان)، فَدَعَا الله تَعَالَى وَانْشَقَّ الْقَمَر على مَا أَرَادوا، فَقَالَ النَّبِي: " اشْهَدُوا اشْهَدُوا ".
— 306 —
﴿وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر (٢) ﴾
فَإِن قيل: ابْن عَبَّاس لم يكن رأى انْشِقَاق الْقَمَر، فَكيف تصح رِوَايَته؟ وَأما ابْن مَسْعُود فقد تفرد بِهَذِهِ الرِّوَايَة، وَلَو كَانَ قد انْشَقَّ الْقَمَر لرواه جَمِيع أَصْحَاب رَسُول الله، وَأَيْضًا لَو كَانَ ثَابتا لرواه جَمِيع النَّاس، ولأرخوا لَهُ تَارِيخا؛ لأَنهم قد أَرخُوا مَا دون هَذَا من الْحَوَادِث، وَإِنَّمَا معنى الْآيَة: انْشَقَّ الْقَمَر أَي: ينشق، وَذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة. وَيُقَال: معنى انْشَقَّ الْقَمَر أَي: انكسف.
وَالْجَوَاب: أَنه قد ثَبت انْشِقَاق الْقَمَر بالرواية الصَّحِيحَة. رَوَاهُ ابْن مَسْعُود وَجبير بن مطعم شَهدا بِالرُّؤْيَةِ، وَرَوَاهُ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَأنس، وروى بَعضهم عَن بَعضهم عَن عبد الله بن عَمْرو، وَمن الْمُحْتَمل أَنه رُوِيَ عَن رُؤْيَة، وَقد كَانَ ابْن مَسْعُود روى هَذَا عَن [رُؤْيَته]، وَلم يُنكر عَلَيْهِ أحد من الصَّحَابَة، فَكَانَ ذَلِك اتِّفَاقًا مِنْهُم، ثمَّ الدَّلِيل الْقَاطِع على ثُبُوته الْآيَة.
وَقَوله إِن مَعْنَاهُ سينشق الْقَمَر. قُلْنَا: هَذَا عدُول عَن ظَاهر الْآيَة، وَلَا يجوز إِلَّا بِدَلِيل قَاطع، وَلِأَن الله تَعَالَى قَالَ:
— 307 —
آية رقم ٢
﴿وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَنهم قد رأوها، وَلِأَنَّهُ سَمَّاهُ آيَة، وَإِنَّمَا يكون آيَة إِذا كَانَت فِي الدُّنْيَا؛ لِأَن الْآيَة هَاهُنَا بِمَعْنى الدّلَالَة وَالْعبْرَة.
وَقَوله: إِن النَّاس لم يرَوا. قُلْنَا: يحْتَمل أَنه كَانَ فِي زمَان غَفلَة النَّاس، أَو تستر عَنْهُم بغيم، وَقد رد الله تَعَالَى الشَّمْس ليوشع بن نون، وَلم ينْقل أرخ لذَلِك أَيْضا. وَقد ذكر فِي بعض التفاسير أَن أهل مَكَّة قَالُوا: سحرنَا ابْن أبي كَبْشَة، فَقَالَ بَعضهم: سلوا السفار الَّذين يقدمُونَ، فَإِنَّهُ إِن كَانَ سحرنَا فَلَا يقدر أَن يسحر جَمِيع النَّاس، فَقدم السفار وسألوهم وأخبروا أَنهم قد رَأَوْا.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يرَوا آيَة يعرضُوا ويقولوا سحر مُسْتَمر﴾ قَالَ الْفراء: أَي: يشبه بعضه بَعْضًا، فَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: فعله هَذَا فِي السحر يشبه سَائِر أَفعاله فِي
— 307 —
﴿وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم وكل أَمر مُسْتَقر (٣) وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء مَا فِيهِ مزدجر (٤) حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تغن النّذر (٥) السحر، وَيحْتَمل أَن مَعْنَاهُ: سحره يشبه سحر مُوسَى وَعِيسَى وَغَيرهمَا. وَعَن بَعضهم: أَن قَوْله: {مُسْتَمر﴾ أَي: ذَاهِب بَاطِل، يبطل وَيذْهب بِمُضِيِّ الزَّمَان، ذكره أَبُو عُبَيْدَة. وَيُقَال: سحر مُسْتَمر: أَي: شَدِيد مُحكم. وَيُقَال: اسْتمرّ من الأَرْض إِلَى السَّمَاء أَي: ظهر سحره فِي السَّمَاء.
— 308 —
آية رقم ٣
وَقَوله: ﴿وكذبوا وَاتبعُوا أهواءهم﴾ أَي: اتبعهُ مَا دَعَتْهُ نُفُوسهم إِلَيْهِ من الْبَاطِل.
وَقَوله: ﴿وكل أَمر مُسْتَقر﴾ قَالَ مُجَاهِد: الْخَيْر لأهل الْخَيْر، وَالشَّر لأهل الشَّرّ. وَيُقَال: الْجنَّة لمن يعْمل بِالطَّاعَةِ، وَالنَّار لمن يعْمل بالمعصية. وَقيل: كل أَمر مُسْتَقر: أَي: وَاقع. وَقيل: لكل قَول حَقِيقَة وَغَايَة وَنِهَايَة فِي وُقُوعه وحلوله، ذكره السدى. وَعَن بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون مَعْنَاهُ: الْإِشَارَة إِلَى دوَام ثَوَاب الْمُؤمنِينَ فِي الْجنَّة، وعقاب الْكَافرين فِي النَّار.
آية رقم ٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَهُم من الأنباء﴾ أَي: من الْأَخْبَار، وَهِي الأقاصيص وأخبار الْأَنْبِيَاء.
وَقَوله: ﴿مَا فِيهِ مزدجر﴾ أَي: متعظ. يُقَال: زجرته فانزجر، وكففته فَكف، ووعظته فاتعظ.
آية رقم ٥
وَقَوله: ﴿حِكْمَة بَالِغَة﴾ مَعْنَاهُ أَي: الْقُرْآن، وَمَا بلغه الرَّسُول عَن الله حِكْمَة بَالِغَة، أَي: تَامَّة كَامِلَة، وَيُقَال مَعْنَاهُ: أَنه صَوَاب كُله. وَقد بَينا أَن الْحِكْمَة هِيَ الْإِصَابَة قولا وفعلا.
وَقَوله: ﴿فَمَا تغن النّذر﴾ أَي: أَي شَيْء تغني النّذر. وَيُقَال: " مَا " بِمَعْنى " لَا " أَي: لَا تغني النّذر عَنْهُم شَيْئا، وَهَذَا فِي أَقوام بأعيانهم، علم الله مِنْهُم أَنهم لَا يُؤمنُونَ، (وَأَنه) لَا يَنْفَعهُمْ إنذار الرُّسُل وَإِقَامَة الْآيَات.
— 308 —
﴿فتول عَنْهُم يَوْم يدع الداع إِلَى شَيْء نكر (٦) خشعا أَبْصَارهم يخرجُون من﴾
— 309 —
قَوْله تَعَالَى: ﴿فتول عَنْهُم﴾ مِنْهُم من قَالَ: قَوْله: ﴿فتول عَنْهُم﴾ عَلَيْهِ الْوَقْف، وَبِه تمّ الْكَلَام ثمَّ ابْتَدَأَ، وَقَالَ: ﴿يَوْم يدع الداع﴾، وَمِنْهُم من قَالَ: مَعْنَاهُ: فتول عَنْهُم يَوْم يَدْعُو الدَّاعِي. وَأما معنى دُعَاء الدَّاعِي. فِي التَّفْسِير أَنه قيام إسْرَافيل عَلَيْهِ السَّلَام على صَخْرَة بَيت الْمُقَدّس، ونفخه فِي الصُّور. وَيُقَال: هُوَ دُعَاء النَّاس إِلَى الْحساب.
وَقَوله: ﴿إِلَى شَيْء نكر﴾ أَي: فظيع شَدِيد هائل. وكل مَا يهول الْإِنْسَان فَهُوَ مُنكر عِنْده. وَيُقَال: نكر أَي: لَا يُطَاق حمله. وَعَن مُجَاهِد أَنه قَرَأَ: ﴿يَوْم يدع الداع إِلَى شَيْء نكر﴾ بخفض الْكَاف وَفتح الرَّاء، أَي: جحد وَكفر بِهِ، وَهَذِه قِرَاءَة شَاذَّة. وَعَن ابْن عمر أَنه قَرَأَ: ﴿إِلَى شَيْء نكر﴾ بتسكين الْكَاف وأنشدوا فِي هَذَا شعرًا
آية رقم ٧
وَقَوله ﴿خشعا أَبْصَارهم﴾ أَي: خاشعة أَبْصَارهم، يَعْنِي: ذليلة، وَقُرِئَ: " خَاشِعًا أَبْصَارهم " وَيجوز التَّوْحِيد إِذا تقدم فعل الْجَمَاعَة دون مَا إِذا تَأَخّر، يُقَال: مَرَرْت بشباب حسان وُجُوههم، وَحسن وُجُوههم، وحسنة وُجُوههم.
قَالَ الشَّاعِر:
(أَبى الله إِلَّا عدله ووفاءه فَلَا النكر مَعْرُوف وَلَا الْعرف ضائع)
(فِي شباب حسن أوجههم من إياد بن نزار بن معد)
وَقَوله: ﴿يخرجُون من الأجداث﴾ أَي: من الْقُبُور، واحدتها جدث. وَفِي لُغَة تَمِيم هُوَ الجذف. وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " مواتهم أجداثهم " أَي: قُبُورهم.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ جَراد منتشر﴾ أَي: دَاخل بَعضهم فِي بعض كالجراد، وَقَالَ تَعَالَى فِي مَوضِع آخر: ﴿كالفراش المبثوث﴾ هُوَ الْمُنْتَشِر والمختلط أَيْضا، لَا يقصدون جِهَة وَاحِدَة، بل ينتشر فِي جِهَات مُخْتَلفَة بِخِلَاف الْجَرَاد، فَإِن الْكل يتبعُون جملَة وَاحِدَة.
— 309 —
{الأجداث كَأَنَّهُمْ جَراد منتشر (٧) مهطعين إِلَى الداع يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر (٨) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عَبدنَا وَقَالُوا مَجْنُون وازدجر (٩) فَدَعَا ربه أَنِّي مغلوب فانتصر (١٠) ففتحنا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاء منهمر (١١)
وَرُوِيَ أَن مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام سَأَلت رَبهَا أَن يطْعمهَا لَحْمًا بِغَيْر دم، فَقَالَت: اللَّهُمَّ أعشها بِغَيْر [رضَاع]، وتابع بَينهَا بِغَيْر شياع. ثمَّ ذكر أَن التَّوْفِيق بَين الْآيَتَيْنِ هُوَ أَن النَّاس إِذا خَرجُوا من قُبُورهم يخْتَلط بَعضهم بِبَعْض، وَلَا يتبعُون جملَة وَاحِدَة، فهم كالفراش المبثوث، ثمَّ يدعونَ إِلَى الْمَحْشَر أَو إِلَى الْحساب فَيتبع كلهم الْجِهَة الَّتِي يدعونَ إِلَيْهَا، فهم كالجراد الْمُنْتَشِر.
— 310 —
وَقَوله: ﴿مهطعين إِلَى الداع﴾ أَي: مُسْرِعين مُقْبِلين، وَيُقَال: مهطعين الإهطاع: هُوَ النسلان، وَيُقَال: الخبب.
وَقَوله: ﴿يَقُول الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْم عسر﴾ أَي: غير سهل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عَبدنَا﴾ أَي: نوحًا عَلَيْهِ السَّلَام.
وَقَوله: ﴿وَقَالُوا مَجْنُون وازدجر﴾ أَي: زجر بالشتم والسب.
وَيُقَال: زجرا بالتخويف بِالْقَتْلِ، قَالَه سعيد بن جُبَير وَقَتَادَة وَغَيرهمَا. وَيُقَال: ازدجر، أَي: استطر عقله، كَأَنَّهُمْ قَالُوا: مَجْنُون ومعتوه.
آية رقم ١٠
وَقَوله: ﴿فَدَعَا ربه أَنِّي مغلوب فانتصر﴾ أَي: انتصر لدينك بالانتقام من أعدائك.
آية رقم ١١
وَقَوله: ﴿ففتحنا أَبْوَاب السَّمَاء بِمَاء منهمر﴾ قَالَ عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله عَنهُ (فتح) مَوضِع المجرة، وَهِي شرج السَّمَاء. وَفِي الْقِصَّة: أَن الله تَعَالَى أرسل المَاء من السَّمَاء بِدُونِ سَحَاب، وَلم يكن أرسل الْمَطَر قبله وَلَا بعده إِلَّا من
— 310 —
﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر (١٢) وحملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر (١٣) تجْرِي بأعيينا جَزَاء لمن كَانَ كفر (١٤) ﴾ سَحَابَة، وَقيل: إِن الْأَبْوَاب هَاهُنَا بطرِيق الْمجَاز، وَالْمعْنَى: أرسلنَا من السَّمَاء بِمَاء منهمر أَي: كثير.
قَالَ الشَّاعِر:
(أعيني جودا بالدموع الهوامر
(على حَتَّى باد من بعد وضامر))
وَيُقَال: منهمر أَي: منصب سَائل.
— 311 —
آية رقم ١٢
قَوْله: ﴿وفجرنا الأَرْض عيُونا﴾ أَي: فتحنا عُيُون الأَرْض بِالْمَاءِ.
وَقَوله: ﴿فَالتقى المَاء على أَمر قد قدر﴾ أَي: التقى مَاء السَّمَاء وَمَاء الأَرْض على أَمر قد قدر كَونه، وَهُوَ تغريق أهل الأَرْض سوى أَصْحَاب السَّفِينَة. وَيُقَال: على أَمر قد قدر: هُوَ تَقْدِير المَاء، يَعْنِي: أَن المَاء أنزل من السَّمَاء وفجر من الْعُيُون على كيل وَتَقْدِير مَعْلُوم.
آية رقم ١٣
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وحملناه على ذَات أَلْوَاح ودسر﴾ أَي: على السَّفِينَة ذَات أَلْوَاح، ودسر أَي: مسامير، وَيُقَال: ودسر أَي: معاريض السَّفِينَة، وَهِي الْخشب الَّتِي تعرض عَلَيْهَا. وَيُقَال: دسر أَي: صدر السَّفِينَة، كَأَنَّهَا قد تدسر المَاء بصدرها، أَي: تدفع.
آية رقم ١٤
وَقَوله: ﴿تجْرِي بأعيننا﴾ أَي: بمرأى منا وَحفظ منا.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿جَزَاء لمن كَانَ كفر﴾ أَي: جَزَاء على مَا صنع بِمن كفر بِهِ، وَهُوَ نوح عَلَيْهِ السَّلَام. وَيُقَال: جَزَاء النَّوْع وَهُوَ الَّذِي كفر بِهِ ذكره الزّجاج وَغَيره وَقيل جَزَاء عَمَّن كفر بِهِ وَهُوَ الله تَعَالَى. وَقُرِئَ فِي الشاذ: " جَزَاء لمن كَانَ كفر " وَهُوَ ظَاهر.
— 311 —
﴿وَلَقَد تركناها آيَة فَهَل من مدكر (١٥) فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر (١٦) وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر (١٧) كذبت عَاد فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر (١٨) إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا فِي يَوْم نحس مُسْتَمر (١٩) تنْزع النَّاس﴾
— 312 —
آية رقم ١٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد تركناها آيَة﴾ أَي: تركنَا السَّفِينَة آيو وعبرة، قَالَ قَتَادَة: بقيت سفينة نوح ببا قردى من بِلَاد الجزيرة حَتَّى أدْركهَا أَوَائِل هَذِه الْأمة.
وَقَوله: ﴿فَهَل من مدكر﴾ أَي: متعظ متذكر.
آية رقم ١٦
وَقَوله: ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ أَي: كَيفَ كَانَ تعذيبي وإنذاري.
آية رقم ١٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ أَي: متفكر، وَمعنى تيَسّر الْقُرْآن للذِّكْرَى: هُوَ قِرَاءَته عَن ظهر قلب، وَلم يُعْط هَذَا فِي كتاب الله غير هَذِه الْأمة، فَإِن أهل الْكِتَابَيْنِ إِنَّمَا يقرءوا فهما عَن الصُّحُف.
آية رقم ١٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت عَاد فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ أَي: تعذيبي وإنذاري لَهُم.
آية رقم ١٩
وَقَوله: ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم ريحًا صَرْصَرًا﴾ أَي: بَارِدَة، وَيُقَال: شَدِيدَة الهبوب.
وَقَوله: ﴿فِي يَوْم نحس﴾ أَي: فِي يَوْم مشئوم، وَعَن جَعْفَر بن مُحَمَّد قَالَ: كَانَ فِي أربعاء لَا تَدور، ذكره النقاش. وَيُقَال: كَانَ زحل رَاجعا هابطا، وَهُوَ ضَعِيف مَتْرُوك.
وَقَوله: ﴿مُسْتَمر﴾ أَي: دَائِم الشؤم، ودوام الشؤم أَن الرّيح استمرت بهم سبع لَيَال وَثَمَانِية أَيَّام. وَيُقَال: مُسْتَمر أَي: اسْتمرّ بهم الْعَذَاب حَتَّى أوقعهم فِي جَهَنَّم.
آية رقم ٢٠
قَوْله تَعَالَى: ﴿تنْزع النَّاس﴾ أَي: تقلع النَّاس. وَفِي الْقِصَّة: أَن الرّيح كَانَت تقلعهم، وَتجْعَل أعلاهم أسفلهم وأسفلهم أعلاهم. قَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لما جَاءَت الرّيح أَخذ بَعضهم بيد بعض، وَجعلُوا دست، وضربوا بأقدامهم على الْحجر حَتَّى رسخت فِيهِ، وَقَالُوا: من الَّذِي يزيلنا من أماكننا؟ وَفِي الْقِصَّة: أَن طول الْوَاحِد مِنْهُم كَانَ سِتّمائَة ذِرَاع وَخَمْسمِائة، والأقصر ثَلَاثمِائَة ذِرَاع بذراعهم، فَلَمَّا فعلوا ذَلِك خرجت من تَحت أَقْدَامهم وقلعتهم.
— 312 —
﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل منقعر (٢٠) فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر (٢١) وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر (٢٢) كذبت ثَمُود بِالنذرِ (٢٣) فَقَالُوا أبشرا منا وَاحِد نتبعه إِنَّا إِذا لفي ضلال وسعر (٢٤) أؤلقي الذّكر عَلَيْهِ من بَيْننَا بل هُوَ﴾
وَقَوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل منقعر﴾ أَي: أصُول نخل منقلع. فَإِن قيل: قد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿كَأَنَّهُمْ أعجاز نخل خاوية﴾ وَقَالَ هَا هُنَا: ﴿منقعر﴾ وَلم يقل منقعرة. قُلْنَا: النّخل يذكر وَيُؤَنث. فَإِن قيل: فَلم شبه بأصول النّخل لَا بِجَمِيعِهِ؟ قُلْنَا فِي الْقِصَّة: أَن الرّيح كَانَت تقلع رُءُوسهم أَولا، ثمَّ تخرب أَجْسَادهم وتجعلها (كأصول) النّخل، فَهُوَ معنى الْآيَة.
— 313 —
آية رقم ٢١
وَقَوله: ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ قد بَينا.
آية رقم ٢٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾.
آية رقم ٢٣
﴿كذبت ثَمُود بِالنذرِ﴾ أَي: بالرسل. وَيجوز أَن يكون أَرَادَ بِهِ صَالحا وَحده، وَذكر الْوَاحِد باسم الْجمع.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقَالُوا أبشرا منا وَاحِدًا نتبعه﴾ أَي: نتبع بشرا منا وَاحِدًا. قَالُوا على طَرِيق الْإِنْكَار، أَي: لَا نتبعه.
وَقَوله: ﴿إِنَّا إِذا لفي ضلال وسعر﴾ أَي: فِي ضلال وعناء، وَيُقَال: فِي ضلال وجنون. يُقَال: نَاقَة مسعورة، أَي: كالمجنونة من النشاط.
آية رقم ٢٥
قَوْله تَعَالَى: ﴿أؤلقي الذّكر عَلَيْهِ من بَيْننَا﴾ أَي: النُّبُوَّة.
وَقَوله: ﴿بل هُوَ كَذَّاب أشر﴾ أَي: كَذَّاب متكبر. والأشر: البطر الْفَرح، كَأَنَّهُ يتكبر بطرا وفرحا.
— 313 —
﴿كَذَّاب أشر (٢٥) سيعلمون غَدا من الْكذَّاب الأشر (٢٦) إِنَّا مرسلوا النَّاقة فتْنَة لَهُم فارتقبهم واصطبر (٢٧) ونبئهم أَن المَاء قسْمَة بَينهم كل شرب محتضر﴾
— 314 —
آية رقم ٢٦
وَقَوله: ﴿سيعلمون غَدا من الْكذَّاب الأشر﴾ أَي: يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يلقون جَزَاء أَعْمَالهم. وَقُرِئَ فِي الشاذ: " من الْكذَّاب الأشر " وَقُرِئَ أَيْضا: " الأشر " بِضَم الشين. والأشر والأشر بِمَعْنى وَاحِد، وَهُوَ مثل حذر وحذر.
آية رقم ٢٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا مرسلوا النَّاقة فتْنَة لَهُم﴾ فِي الْقِصَّة: أَن قوم صَالح طلبُوا مِنْهُ أَن يخرج من هَذِه الصَّخْرَة وأشاروا إِلَى صَخْرَة بِعَينهَا نَاقَة حَمْرَاء عشراء، والعشراء: هِيَ النَّاقة الْحَامِل الَّتِي أَتَى على حملهَا عشرَة أشهر، وتلد سقبا فِي الْحَال، ثمَّ ترد مَاءَهُمْ وتشرب جَمِيع مَا فِيهَا، وَتُعْطِي لَبَنًا بِقدر مَا شربت من المَاء، فَأَعْطَاهُمْ الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَرُوِيَ أَن الصَّخْرَة تمخضت كَمَا تتمخض النَّاقة عِنْد الْولادَة، وَوضعت نَاقَة فِي الْحَال كأعظم مَا يكون. وَرُوِيَ أَن عظم النَّاقة كَانَ بِحَيْثُ إِذا مشت بَين الْوَادي أَخذ بَطنهَا مَا بَين الجبلين.
وَقَوله: ﴿فتْنَة لَهُم﴾ أَي: اختبارا لَهُم.
وَقَوله: ﴿فارتقبهم واصطبر﴾ أَي: انتظرهم واصبر.
آية رقم ٢٨
وَقَوله: ﴿ونبئهم أَن المَاء قسْمَة بَينهم﴾ أَي: للناقة يَوْم وَلَهُم يَوْم.
وَقَوله: ﴿كل شرب محتضر﴾ أَي: كل نصيب بِحَضْرَة من لَهُ.
آية رقم ٢٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَنَادوا صَاحبهمْ﴾ يَعْنِي: قدار بن سالف، وَهُوَ أَحْمَر ثَمُود. وَفِي الْمثل: أشأم من أَحْمَر عَاد. يَعْنِي: على قومه. وَإِنَّمَا قيل: عادا لِأَن ثَمُود من نسب عَاد. وَفِي الْخَبَر أَن النَّبِي قَالَ: " انْبَعَثَ لَهُ يَعْنِي لقتل النَّاقة رجل عَزِيز فِي قومه مثل [أبي] زَمعَة ".
— 314 —
((٢٨} فَنَادوا صَاحبهمْ فتعاطى فعقر (٢٩) فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر (٣٠) إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم صَيْحَة وَاحِدَة فَكَانُوا كهشيم المحتضر (٣١) وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر (٣٢) كذبت قوم لوط بِالنذرِ (٣٣) إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم حاصبا إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر (٣٤))
وَقَوله: ﴿فتعاطى فعقر﴾ أَي: ارْتكب الْمعْصِيَة فعقر النَّاقة. والعقر: هُوَ الْقَتْل. وَفِي الْخَبَر: " أفضل الْجِهَاد من أريق دَمه وعقر جَوَاده ".
— 315 —
آية رقم ٣٠
وَقَوله: ﴿فَكيف كَانَ عَذَابي وَنذر﴾ قد بَينا.
آية رقم ٣١
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم صَيْحَة وَاحِدَة﴾ فِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَامَ فِي جَانب قريتهم، وَصَاح عَلَيْهِم صَيْحَة وَاحِدَة، فماتوا جَمِيعًا.
وَقَوله: ﴿فَكَانُوا كهشيم المحتضر﴾ الهشيم مَا يبس من النَّبَات وَالشَّجر، والهشيم هَاهُنَا: مَا تناثر من التُّرَاب عَن الْجواد، يَعْنِي: صَارُوا كَذَلِك.
وَقَوله: ﴿المحتضر﴾ وفرئ: " المحتضر " بِفَتْح الظَّاء. قَالَ أهل الْمعَانِي: هُوَ أَن يَأْخُذ الرَّاعِي حَظِيرَة حوالي غنمه من شوك وَشَجر، فَإِذا يبس وتناهى فِي اليبس تكسر وتشتت، فشبهم حِين هَلَكُوا بذلك. وَأما المحتضر هُوَ الَّذِي يتَّخذ الحظيرة، والمحتضر بِالْفَتْح هُوَ الْمُتَّخذ.
آية رقم ٣٢
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ أَي: متعظ. قَالَ قَتَادَة: هَل من طَالب خير فيعان عَلَيْهِ.
آية رقم ٣٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿كذبت قوم لوط بِالنذرِ﴾ فَإِن قيل: كَيفَ قَالَ: ﴿بِالنذرِ﴾ وَلُوط كَانَ وَاحِدًا؟ قُلْنَا: لِأَن من كذب وَاحِدًا من الرُّسُل، فَكَأَنَّهُ كذب جَمِيع الرُّسُل.
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أرسلنَا عَلَيْهِم حاصبا﴾ أَي: ريحًا ذَات حَصْبَاء، وَهِي الْحِجَارَة.
قَوْله: ﴿إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر﴾ هُوَ لوط وابنتاه. وَفِي الْخَبَر: أَنه وأعنزة بَين
— 315 —
﴿نعْمَة من عندنَا كَذَلِك نجزي من شكر (٣٥) وَلَقَد أَنْذرهُمْ بطشتنا فتماروا بِالنذرِ (٣٦) وَلَقَد راودوه عَن ضَيفه فطمسنا أَعينهم فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر (٣٧) وَلَقَد صبحهمْ بكرَة عَذَاب مُسْتَقر (٣٨) ﴾ يَدَيْهِ، وَهِي أَرْبَعُونَ يَسُوقهَا، وَهُوَ آخذ بيد ابْنَته الْكُبْرَى بِيَمِينِهِ، وبيد ابْنَته الصُّغْرَى بيساره، وَامْرَأَته خَلفه، فَلَمَّا سمعُوا الْوَصِيَّة فِي هَلَاك الْقَوْم سجد هُوَ وابنتاه شكرا، والتفتت الْمَرْأَة فأصابتها الْحِجَارَة وَهَلَكت.
— 316 —
آية رقم ٣٥
وَقَوله: ﴿نعْمَة من عندنَا﴾ أَي: إنعاما من عندنَا.
وَقَوله: ﴿كَذَلِك نجزي من شكر﴾ أَي: شكر نعم الله.
آية رقم ٣٦
وَقَوله: ﴿وَلَقَد أَنْذرهُمْ بطشتنا﴾ أى خوفهم بطشتنا بهم فِي الإهلاك
وَقَوله ﴿فتماروا بِالنذرِ﴾ أَي: شكوا برسالة الرُّسُل.
آية رقم ٣٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد راودوه عَن ضَيفه﴾ أَي: طلبُوا من لوط أَن يسلم إِلَيْهِم أضيافه. وَفِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام جَاءَ وَمَعَهُ ملكان، وَكَانَ قوم لوط قد قَالُوا لَهُ: إِنَّا لَا نمتنع من عَملنَا، فإياك أَن تضيف أحدا من الغرباء، فَلَمَّا جَاءَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ الْملكَيْنِ فِي صُورَة الْبشر، مرت الْعَجُوز الخبيثة وَأَخْبَرتهمْ بورودهم، وَذكرت لَهُم حسن وُجُوههم، فَجَاءُوا يطْلبُونَ الْفَاحِشَة، فَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿راودوه عَن ضَيفه﴾.
وَقَوله: ﴿فطمسنا أَعينهم﴾ رُوِيَ أَن جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام صفق أَعينهم صَفْقَة بجناحه، فصاروا عميانا يَلْتَمِسُونَ الْجِدَار بِالْأَيْدِي. وَرُوِيَ أَن وُجُوههم صَارَت سطحا وَاحِدًا مَا بَقِي عَلَيْهَا أثر شَيْء.
وَقَوله: ﴿فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر﴾ أَي: فَذُوقُوا عَذَابي وعاقبة إنذاري.
آية رقم ٣٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد صبحهمْ بكرَة عَذَاب مُسْتَقر﴾ أَي: نزل بهم الْعَذَاب وَاسْتقر بكرَة. وَمعنى الِاسْتِقْرَار هُوَ هلاكهم بذلك الْعَذَاب.
— 316 —
فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فَأَخذهُم أَخذ عَزِيز مقتدر أكفاركم خير من أولائكم أم لكم بَرَاءَة فِي الزبر أم يَقُولُونَ نَحن جَمِيع منتصر سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر
— 317 —
آية رقم ٣٩
وَقَوله ﴿فَذُوقُوا عَذَابي وَنذر﴾ قد بَينا.
آية رقم ٤٠
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ قد ذكرنَا.
آية رقم ٤١
وَقَوله: ﴿وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر﴾ يَعْنِي: مُوسَى وَهَارُون، وَيُقَال: جَاءَهُم الْإِنْذَار.
آية رقم ٤٢
وَقَوله: ﴿كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر﴾ أَي: قوي قَادر، وَقد بَينا معنى الْعَزِيز الْقَادِر.
آية رقم ٤٣
قَوْله تَعَالَى: ﴿أكفاركم خير من أولئكم﴾ مَعْنَاهُ: أكفاركم خير من الْكفَّار الَّذين كَانُوا قبلكُمْ، يَعْنِي: لَيْسُوا بِخَير مِنْهُم، فَكَمَا أهلكناهم فسنهلك هَؤُلَاءِ.
وَقَوله: ﴿أم لكم بَرَاءَة فِي الزبر﴾ أَي: بَرَاءَة من الْكتب أَنا لانهلككم كَمَا أهلكنا من قبلكُمْ.
آية رقم ٤٤
وَقَوله: ﴿أم يَقُولُونَ نَحن جَمِيع منتصر﴾ يَعْنِي: أيقولون نَحن جَمِيع ينصر بَعْضنَا بَعْضًا، أَو ننتصر من أَعْدَائِنَا. وَفِي الْمَغَازِي أَنه لما كَانَ يَوْم بدر خرج أَبُو جهل على قَدَمَيْهِ، وَهُوَ يَقُول: نَحن جَمِيع منتصر، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله: ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾، قَالَ عمر: فَرَأَيْت النَّبِي يثب فِي درعه، وَيَقُول: " سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ". وَفِي بعض التفاسير: أَن عمر رَضِي الله عَنهُ قَالَ:
آية رقم ٤٥
نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ وَلم أعرف تَأْوِيله، حَتَّى كَانَ يَوْم بدر فَرَأَيْت النَّبِي
— 317 —
﴿بل السَّاعَة موعدهم والساعة أدهى وَأمر (٤٦) إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر (٤٧) يَوْم يحبسون فِي النَّار على وُجُوههم ذوقوا مس سقر (٤٨) إِنَّا كل شَيْء﴾ يثب فِي درعه وَيَقُول: " سَيهْزمُ الْجمع وَيُوَلُّونَ الدبر ". وَهَذَا الْخَبَر دَلِيل أَيْضا أَن هَذِه الْآيَة مَكِّيَّة، وَقد بَينا فِي رِوَايَة أُخْرَى أَنَّهَا مَدَنِيَّة. والدبر بِمَعْنى الأدبار.
— 318 —
آية رقم ٤٦
وَقَوله: ﴿بل السَّاعَة موعدهم﴾ أَي: الْقِيَامَة موعدهم، وَسميت السَّاعَة لقرب كَونهَا. وَقيل: سميت سَاعَة؛ لِأَنَّهَا كائنه لَا محَالة كالوقت، وَهُوَ كَائِن لَا محَالة فَسمى سَاعَة.
وَقَوله: ﴿والساعة أدهى وَأمر﴾ أَي: أقطع وَأَشد. والداهية: كل أَمر لَا يَهْتَدِي إِلَى الْخُرُوج مِنْهُ. " وَأمر ": هُوَ من المرارة.
آية رقم ٤٧
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر﴾ قد بَينا. وَعَن الْأَخْفَش: أَن السّعر جمع السعير جمع السعير، وَيُقَال مَعْنَاهُ: فِي نَار يحترقون فِيهَا وَلَا يعلمونها، وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْعَاقِبَة، وَمَا يصير إِلَيْهِ حَالهم.
آية رقم ٤٨
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار على وُجُوههم﴾ قَالَ ابْن مَسْعُود: " يَوْم يسْحَبُونَ فِي النَّار ". وَالْمَعْرُوف الأول، وَهُوَ من السحب والجر.
وَقَوله: ﴿ذوقوا مس سقر﴾ أَي: يُقَال لَهُم ذَلِك، وَهُوَ على طَرِيق الْمجَاز، كَمَا يَقُول الْقَائِل لغيره وَهُوَ يضْربهُ: ذُقْ وبال أَمرك، أَي: عمله، وَمثله كثير فِي الْعَرَبيَّة وَكَلَامهم.
آية رقم ٤٩
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ نصب كل بِتَقْدِير فعل مَحْذُوف، وَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّا خلقنَا كل شَيْء خلقناه بِقدر. وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كل
— 318 —
﴿خلقناه بِقدر (٤٩) وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة كلمح بالبصر (٥٠) وَلَقَد أهلكنا أشياعكم﴾ شَيْء بِقدر حَتَّى الْكيس وَالْعجز ". وَعَن ابْن عَبَّاس: كل شَيْء بِقدر حَتَّى وضعك يدك على خدك. وَعَن عَليّ: مَا طن ذُبَاب إِلَّا بِقدر.
وَعَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: أشهد أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْقَدَرِيَّة ردا عَلَيْهِم وتلا هَذِه الْآيَة: ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ وَهُوَ خبر غَرِيب.
وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ رَحمَه الله أَنه قَالَ: لَو صَامَ إِنْسَان حَتَّى يصير كالحبل هزلا، وَصلى حَتَّى يصير كوتد، وَذبح ظلما بَين الرُّكْن وَالْمقَام، ثمَّ كَانَ مُكَذبا بِقدر الله، لأدخله الله النَّار، وَيُقَال لَهُ: ذُقْ مس سقر.
وَفِي رِوَايَة عَائِشَة أَن النَّبِي قَالَ: " إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة نَادَى مُنَاد: أَيْن خصماء الرَّحْمَن؟ فَيقوم الْقَدَرِيَّة ثمَّ تَلا قَوْله: ﴿إِن الْمُجْرمين فِي ضلال وسعر﴾ وَمَا بعْدهَا ". وخصومتهم أَنهم يَقُولُونَ: قدرت علينا الْمعاصِي وَكَيف تعذبنا؟
— 319 —
آية رقم ٥٠
وَقَوله: ﴿وَمَا أمرنَا إِلَّا وَاحِدَة﴾ يَعْنِي: إِلَّا مرّة وَاحِدَة.
وَقَوله: ﴿كلمح بالبصر﴾ أَي: كسرعة اللمح بالبصر فِي النّفُوذ والوقوع، وَفِي بعض التفاسير فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ أَي: جعلنَا لكل شَيْء مَا يصلح لَهُ، مثل ثِيَاب الرِّجَال للرِّجَال، وَثيَاب النِّسَاء للنِّسَاء، والسرج للْفرس، والإكاف للحمار، وَمَا أشبه ذَلِك، وَالْمعْنَى: أَي: قَدرنَا لكل شَيْء مَا يصلح لَهُ، ذكره
— 319 —
﴿فَهَل من مدكر (٥١) وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر (٥٢) وكل صَغِير وكبير مستطر (٥٣) إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر (٥٤) فِي مقْعد صدق عِنْد مليك مقتدر﴾ ) بن فَارس فِي تَفْسِيره.
— 320 —
آية رقم ٥١
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد أهلكنا أشياعكم﴾ أَي: أشبابهكم ونظراءكم من الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿فَهَل من مدكر﴾ أَي: متعظ.
آية رقم ٥٢
وَقَوله: ﴿وكل شَيْء فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ أَي: مسطور مَكْتُوب فِي الزبر. وَيُقَال: كل شَيْء مَحْفُوظ فِي الزبر.
آية رقم ٥٣
وَقَوله: ﴿وكل صَغِير وكبير مستطر﴾ أَي مسطور مَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ. وَفِي الْآثَار المروية عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: خلق الله اللَّوْح الْمَحْفُوظ من درة بَيْضَاء ودفتاه من ياقوت أَحْمَر، قلمه ذهب وَكتابه نور، ينظر الله كل يَوْم فِيهِ ثَلَاثمِائَة وَسِتِّينَ نظرة، يخلق، ويحيي، وَيُمِيت، ويرزق، وَيفْعل مَا يَشَاء. وَهَذَا أثر مَعْرُوف.
آية رقم ٥٤
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُتَّقِينَ فِي جنَّات ونهر﴾ فِي بعض الْآثَار: أَن الرجل لَا يكون متقيا حَتَّى يدع مَا لَيْسَ بِهِ بَأْس حذرا مِمَّا بِهِ بَأْس، وَقد روى بَعضهم هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي، وَهُوَ غَرِيب.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿فِي جنَّات ونهر﴾ أَي: بساتين وأنهار، وَاحِد بِمَعْنى الْجمع، والأنهار هَذِه مَا ذكرهَا الله تَعَالَى فِي " سُورَة مُحَمَّد ".
وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن معنى قَوْله: ﴿فِي جنَّات ونهر﴾ أَي: ضِيَاء وسعة.
قَالَ قيس بن الخطيم:
(ملكت بهَا كفى فأنهرت فتقها يرى قَائِما من دونهَا مَا وَرَاءَهَا)
أَي: أوسعت. وَقُرِئَ: " فِي جنَّات ونهر " بِضَم النُّون وَالْهَاء، وَهُوَ بِمَعْنى النَّهَار.
وَقَالَ الشَّاعِر:
— 320 —
(لَوْلَا الثريدان هلكنا بالضمم ثريد ليل وثريد بالنهر)
وَعَن أبي عمرَان الْجونِي قَالَ: لَيْسَ فِي الْجنَّة ليل، هُوَ نَهَار كُله، وَيعرف مَجِيء النَّهَار بِفَتْح الْأَبْوَاب وَرفع الستور، وَيعرف مَجِيء اللَّيْل برد الْأَبْوَاب وإرخاء الستور.
— 321 —
آية رقم ٥٥
وَقَوله: ﴿فِي مقْعد صدق﴾ أَي: مجْلِس حسن، وَيُقَال: فِي مقْعد لَا لَغْو فِيهِ وَلَا تأثيم. وكل مَكَان لَيْسَ فِيهِ لَغْو وَلَا تأثيم، فَهُوَ مقْعد صدق.
وَقَوله: ﴿عِنْد مليك مقتدر﴾ يُقَال: إِن الْملك والمليك بِمَعْنى وَاحِد.
قَالَ ابْن الزبعري:
(يَا رَسُول المليك إِن لساني رائق مَا فتقت إِذْ أَنا بور)
أَي: رَسُول الْملك. وَقيل: إِن المليك هُوَ الْمُسْتَحق للْملك، وَالْملك: الْقَائِم بِالْملكِ. وَمعنى الْآيَة: ذكر كَرَامَة الْمُؤمنِينَ وقربهم من الله تَعَالَى، وَهُوَ النِّهَايَة فِي الْإِكْرَام.
— 321 —

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم

﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان الشَّمْس﴾
تَفْسِير سُورَة الرَّحْمَن
وَهِي مَكِّيَّة فِي قَول الْأَكْثَرين وَقَالَ بَعضهم هِيَ مَدَنِيَّة
— 323 —
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

55 مقطع من التفسير