تفسير سورة الرحمن

جامع البيان في تفسير القرآن
تفسير سورة سورة الرحمن من كتاب جامع البيان في تفسير القرآن .
لمؤلفه الإيجي محيي الدين . المتوفي سنة 905 هـ
سورة الرحمن مكية أو مدنية أو متبعضة
وهي ثمان وسبعون آية وثلاث ركوعات

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ : نبيه لا أنه يعلمه بشر، أو علمه عباده بأن يسر حفظه، وفهمه، ولما كانت السورة في تعداد النعم صدرها بالرحمن.
﴿ خلق الإنسان علمه البيان١ : النطق، والتعبير عما في الضمير،
١ وهو الذي به يمكن قبول التعليم/١٢ وجيز..
﴿ الشمس والقمر ﴾ : يجريان، ﴿ بحسبان١ : حساب مقدر في بروجهما، ومنازلهما يعلم منهما السنون والحساب،
١ لما ذكر ما أنعم به على الإنسان أعقبه بما امتن به من الشمس، والقمر لما فيهما من كثرة المنافع أحدهما ظهور الأشياء كالبيان/١٢ وجيز..
﴿ والنجم ﴾ : الكواكب أو النبات الذي لا ساق له، ﴿ والشجر يسجدان ﴾ :" ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات، ومن في الأرض، والشمس والقمر، والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس " الآية جرد هاتين الجملتين عن ما يدل على اتصال وربط بالرحمن، ولم يقل بحسبانه ويسجدان له، لأن وضوح اتصاله يغني عن البيان، وذكر الجمل الأولى على نهج التعديد١، ثم أدخل العاطف، ورد إلى المنهاج الأصلي،
١ ليفيد أن كل واحد نعمة بحياله لا أن الجميع كواحدة/١٢ وجيز..
﴿ والسماء رفعها ﴾ : فوق الأرض، ﴿ ووضع الميزان ﴾ : كل ما يوزن به الأشياء من الميزان والمكيال وغيرهما خلقه موضوعا على الأرض، أو المراد من الميزان العدل كما قال تعالى :﴿ وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ﴾ الآية،
﴿ ألا ﴾ أي : لئلا، ﴿ تطغوا في الميزان ﴾ : لا تعتدوا فيه،
﴿ وأقيموا الوزن بالقسط ﴾ عطف بحسب المعنى على أن لا تطغوا أي : ولأن تقيموه بالعدل، ﴿ ولا تخسروا١ : ولا تنقصوا، ﴿ الميزان ﴾ : وتكرير الميزان للمبالغة في التوصية،
١ خسر جاء متعديا: خسروا أنفسهم أمر بالتسوية، ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء، وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان، لما ذكر السماء ذكر مقابلها فقال: "والأرض"/١٢ وجيز..
﴿ والأرض وضعها ﴾ : خفضها مدحوة، ﴿ للأنام ﴾ : للخلق،
﴿ فيها فاكهة ﴾ : أنواع ما يتفكه به، ﴿ والنخل١ ذات الأكمام ﴾ : أوعية الثمر التي يطلع فيها القنو، ثم تنشق، أو المراد الليف
١ خص بين الأشجار لكثرة المنافع من ليف، وسعف، وجريد وجماء، وثمر هو فاكهة وطعام/١٢ وجيز..
﴿ والحب ﴾ : كالحنطة وغيرها، ﴿ ذو العصف ﴾ : هو ورق النبات١، ﴿ والريحان ﴾ : الرزق يقال : خرجت أطلب ريحان الله تعالى، أي : رزقه يعني : الحب ذو علف أنعام، وطعام إنسان، ومن قرأ بالرفع، فعلى تقدير، وذو الريحان بإقامة المضاف إليه مقام المضاف ليوافق القراءتان، وقيل الريحان هو المشموم،
١ وفي نسخة "النبات اليابس"..
﴿ فبأي آلاء ربكما١ : أيها الثقلان، ﴿ تكذبان ﴾
١ وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة في إحدى وثلاثين موضعا تقريرا للنعمة، وتأكيدا للتذكير بها على عادة العرب في الاتساع ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم، ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار، وشدائدها بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها، لأن من جملة الآلاء رفع البلايا، وتأخير العقاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلها بعدد أبواب الجنة، وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأوليين أخذا من قوله، ومن دونهما جنتان فمن اعتقد الثمانية الأولى، وعمل بموجبها استحق هاتين الثمانيتين من الله، وفيه السبعة السابقة أفاده شيخ الإسلام في متشابهة القرآن، والاستفهام فيها للتقرير لما روى الحاكم عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سورة الرحمن حتى ختمها ثم قال " ما لي أراكم سكوتا للجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم هذه الآية إلا قالوا، ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد" وروى الترمذي بمعناه وقال: حديث غريب [حسن، انظر صحيح سنن الترمذي (٢٦٢٤) الصحيحة (٢١٥٠)] /١٢ فتح..
﴿ خلق الإنسان ﴾ : آدم، ﴿ من صلصال ﴾ : طين يابس له صلصلة، ﴿ كالفخار ﴾ : الخزف،
﴿ وخلق الجان ﴾ : أبا الجن، قيل هو إبليس، ﴿ من مارج ﴾ : من صاف، ﴿ من نار ﴾
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين ﴾ : مشرقي الشتاء والصيف، ﴿ ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ : فإن اختلاف المشارق، والمغارب سبب لمصالح العباد،
١٩
﴿ مرج ﴾ : أرسل، ﴿ البحرين ﴾ : العذاب والملح، ﴿ يلتقيان ﴾ : يتجاوران ويتلاصقان،
﴿ بينهما برزخ ﴾ : حاجز، ﴿ لا يبغيان ﴾ : لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة، أو لا يتجاوزان حديهما قد مر بيانه في سورة الفرقان مفصلا، قيل المراد بحر الروم، وفارس يلقيان في المحيط لأنهما ينشعبان منه، وقيل بحر السماء، والأرض، فإن اللؤلؤ يتولد من ماء السماء، وأصداف بحر الأرض،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ﴾ : كبار الدر، وصغاره، أو المرجان الخرز الأحمر يخرجان من المالح، لكن لما كان يلتقيان فيصيران واحدا يصدق أنهما يخرجان منهما،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوار ﴾ : السفن، ﴿ المنشآت المرفوعات الشرع، { في البحر كالأعلام ﴾ : كالجبال في العظم، ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾.
﴿ كل من عليها ﴾ : من على الأرض، ﴿ فان ﴾
﴿ ويبقى وجه ربك ﴾ : ذاته، ﴿ ذو الجلال ﴾ : الاستغناء المطلق، ﴿ والإكرام ﴾ : الفضل الشامل، أو المراد يفني كل ما في الأرض من الأعمال إلا ما هو لوجه الله تعالى، وهو كما قال كل شيء هالك إلا وجهه، ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ : فإن فناء الكل، وبقاءه سبحانه مع أنه غني ذو فضل عام سبب لإيجاد المعاد، والجزاء بأتم وجه،
﴿ يسأله ﴾ : الرزق، والمغفرة، والعافية، وكل ما يحتاج إليه، ﴿ من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن ﴾ قال- صلى الله عليه وسلم- من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا، ويرفع قوما ويضع آخرين١ والمراد من اليوم الوقت، وهو ظرف لشأن قيل هو رد لليهود قالوا إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا،
١ أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده، والبزار وابن جرير والطبراني، وأبو الشيخ في العظمة، وابن مندة، وبن مردويه، وأبو نعيم وابن عساكر [رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار، وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/١١٧):" وفيه من لم أعرفهم"]/١٢ فتح..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان سنفرغ لكم ﴾، تهديد وليس المراد الفراغ عن شغل فإنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن، فهو مجاز كأنه فرغ من كل شيء، فلم يبق له شغل غيره فيدل على التوفر في النكاية، والانتقام أو لما وعد أهل التقوى، وأوعد غيرهم قال، سنقصد لحسابكم، وجزاءكم، ذلك يوم القيامة، ﴿ أيها الثقلان١ : الإنس، والجن لثقلهما على الأرض أو لرزانتهما وقدرهما،
١ اختلف العلماء في الجن هل لهم ثواب على قولين، فقيل: لا ثواب لهم إلا النجاة من النار، ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل البهائم، وهو قول أبي حنيفة حكاه ابن حزم، وغيره عنه، والقول الثاني: أنهم يثابون على الطاعة، ويعاقبون على المعاصي، وهو قول ابن أبي ليلى وهو مذهب الأوزاعي، وأبي سيف، ومحمد، ونقل عن الشافعي، وأحمد بن حنبل وهو قول أصحابهما، وأصحاب مالك، وقال ابن عباس: لهم ثواب، وعليهم عقاب وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى:﴿ولكل درجات مما عملوا﴾[الأنعام: ١٣٢] ﴿فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حبطا﴾[الجن: ١٤-١٥] واتفقوا على أن كافر الجن معذب في الآخرة واختلفوا في مؤمنيهم هل يدخلون الجنة على أربعة أقوال أحدها أنهم يدخلون الجنة، وعليه جمهور العلماء، وحكاه ابن حزم في الملل عن أبي ليلى، وأبي يوسف، جمهور الناس قال وبه نقول، القول الثاني أنهم لا يدخلونها، بل يكونون في ربضها يريهم الإنس من حيث لا يرونهم، وهذا القول مأثور عن مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد وحكاه ابن تيمية في جواب ابن مرى، وهو خلاف ما حكاه ابن حزم عن أبي يوسف، والقول الثالث: أنهم على الأعراف، الرابع الوقف/١٢ آكام المرجان في أحكام الجان للعلامة بدر الدين الشبلى- رحمه الله،..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا ﴾ : أن تخرجوا، ﴿ من أقطار ﴾ : جوانب، ﴿ السماوات والأرض ﴾ : فارين من قضاء الله تعالى، ﴿ فانفذوا لا تنفذون ﴾ : لا تقدرون على الخروج، ﴿ إلا بسلطان١ : بقوة وقهر، ومن أين لكم هذا، أو إلا بأمر من الله تعالى، وإذن منه، وتقديم الجن، لأنهم أقوى، وهذا في المحشر حين أحاطت الملائكة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب يقول الإنسان يومئذ أين المفر، وعن بعض معناه إن استطعتم أن تعلموا ما فيهما فاعلموا لكن لا تعلمونه إلا ببينة نصبها الله تعالى،
١ قال محيي السنة: المراد " أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة" فالأمر أمر تعجيز/١٢ وجيز..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما ﴾ : في ذلك اليوم، ﴿ شواظ ﴾ : لهب لا دخان فيه، ﴿ من نار ونحاس ﴾ : دخان لا لهب له، ومن قرأ بجر نحاس فمعناه، وشيء من نحاس فحذف الموصوف لدلالة ما قيل عليه، أو هو صفر١مذاب يصب على رؤسهم، ﴿ فلا تنتصران ﴾ : لا تمتنعان من الله تعالى، وحاصل الكلام لو هربتم يوم القيامة لردتكم الملائكة، والزبانية بإرسال اللهب من النار، والنحاس لترجعوا،
١ الصفر: النحاس الجيد، واحته صفرة..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾ : فإنه مع عجزكم، وجهلكم دلكم على ما يخلصكم من هذه النوائب، وتجارة تنجيكم من عذاب أليم من أن التهديد، والانتقام من الكفار، والتمييز بين المطيع، والعاصي من الآلاء،
﴿ فإذا انشقت السماء فكانت وردة ﴾ أي : حمراء كوردة، ﴿ كالدهان ﴾ : يذوب، ويتلون كالأدهان، وذلك من هول القيامة، وعن بعض الوردة : الخيول الوردة، فإن الفرس الورد في الربيع أصفر، وفي أول الشتاء أحمر، وفي اشتداد الشتاء أغبر، وعن بعض الدهان الأديم الأحمر،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيومئذ ﴾ : يوم الانشقاق، ﴿ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان١ أي : لا يسأل إنس عن ذنبه، ولا جان، وذلك في موطن خاص، وهذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن لهم فيعتذرون، ثم يسألون، ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين ﴾[ الحجر : ٩٢ ]، أو سؤال علم ؛ بل سؤال توبيخ، أو لأنهم يعرفون بسيماهم، هذا بعد ما يؤمر بهم إلى النار،
١ عن ابن عباس: هل علمتم كذا وكذا، لأنه أعلم بذلك منهم، لكن يقول: لم علمتم وكذا/١٢ منه..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ : كاسوداد وجوههم، وزرقة عيونهم، ﴿ فيؤخذ بالنواصي والأقدام ﴾ : يجمع بينهما في سلسلة من وراء ظهره١، ويطرح في النار،
١ صرح بذلك الضحاك، والسدي، وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- يؤخذ بناصيته، وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور/١٢ منه..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان هذه ﴾ أي : يقال لهم هذه، ﴿ جهنم التي يكذب بها المجرمون ﴾
﴿ يطوفون بينها ﴾ : بين النار، ﴿ وبين حميم ﴾ : ماء شديد الحرارة، ﴿ آن ﴾ : بالغ النهاية في الحر يؤخذ، فيحرك بناصيته في الحميم فيذوب اللحم يسحبون في الحميم، ثم في النار يسجرون، ﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾.
﴿ ولمن خاف١ مقام ربه ﴾ : موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب، أو المقام مقحم للتعظيم كأخاف جانبه والسلام على مجلسه، ﴿ جنتان ﴾ : لكل من الإنسان جنتان للمقربين من ذهب، قيل : جنة للإنسي، وجنة للجني،
١ لكل فرد من الخائفين جنتان، روى النسائي وغيره أنه- عليه السلام- قرأ يوما هذه الآية، ولمن خاف مقام ربه جنتان قال أبو الدرداء: قلت وإن زنا وإن سرق، فقال: ولمن خاف مقام ربه جنتان، قلت: وإن زنا وإن سرق، قال: وإن رغم أنف أبي الدرداء، ونقله ابن جرير أيضا/١٢ منه.
وذكر في الفتح هذا الحديث، وعزاه إلى الترمذي وأحمد، والبراز، وأبي يعلى والطبراني وغيرهم [صحيح، أخرجه أحمد (٢/٣٥٧)، والنسائي في " التفسير" وغيرهما] قال مجاهد والنخعي: هو الرجل الذي يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه، وفيه إشارة إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر، وهو أنه ليس مجرد الخوف، بل الخوف الناشئ عنه ترك المعاصي/١٢ فتح..

﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا أفنان ﴾ : أنواع النعم جمع فن١، أو أغصان جمع فنن،
١ قاله ابن عباس- رضي الله عنهما- وغيره/١٢ وجيز..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان ﴾ : تحت تلك الأشجار،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة زوجان ﴾ : صنفان صنف رأيتم، وصنف ما رأيتم،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين١، حال من " من خاف "، فإنه في معنى الجمع، على فرش بطائنها : الذي يلي الأرض، ﴿ من استبرق ﴾ : ديباج ثخين إذا كان هذه البطائن، فما ظنكم بالظواهر، وعن بعض ظواهرها من نور جامد، ﴿ وجنى الجنتين ﴾ : ثمرهما، ﴿ دان ﴾ : قريب يجني منه القاعد والراقد،
١ والاتكاء يطلق على الاضطجاع، وعلى التربع/١٢ وجيز.
قال في القاموس: توكأ عليه: تحامل، واعتمد، واتكأ: جعل له متكئا، وقوله – صلى الله عليه وسلم – "أما أنا فلا أكون متكئا"[أخرجه البخاري وغيره] أي: جالسا جلوس المتمكن المتربع، ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه للأكل مستوفزا مقعيا غير متربع، ولا متمكن، وليس المراد الميل على شق كما ظنه عوام الطلبة، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب المتنعم البدن بخلاف المريض، والمهموم/١٢ فتح..

﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن ﴾ : في أماكن الجنتين، أو في الفرش، ﴿ قاصرات الطرف ﴾ : نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى الغير تقول لبعلها، والله ما رأى في الجنة أحسن منك لا أحب إلي منك الحمد لله الذي جعلك لي وجعلني لك، ﴿ لم يطمثهن١ : لم يجامعهن، ﴿ إنس قبلهم ولا جان ﴾
١ وفي السمين أصل الطمث الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث، وإن لم يكن معه دم، وقيل الطمث دم الحيض، أو دم الجماع، قال الواحدي: قال المفسرون: لم يطأهن، ولم يغشهن، ولم يجامعهن قبلهم أحد، ولم يتسلط عليهن، وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات لهذه السورة دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه، قال ابن عباس: في الآية ﴿لم يطمثهن﴾ لم يدن منهن، ولم يدمهن، وفي الآية دليل على أن الجن يطمثون كما طمث الإنس، فإن مقام الامتنان يقتضي ذلك إذ لو لم يطمثوا لم يحصل لهم الامتنان/١٢ فتح..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت ﴾ : في حمرة الوجنة، أو في الصفاء، ﴿ والمرجان ﴾ : اللؤلؤ في البياض،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ﴾ : أحسنوا في الدنيا، فأحسن إليهم في الآخرة،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان ومن دونهما ﴾ : سوى تينك الجنتين للمقربين، ﴿ جنتان ﴾ : لمن دونهم لأصحاب اليمين من الورق،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان ﴾ : سوداوان من شدة خضرتهما لريهما، وصف الأولين بكثرة أشجارهما، وهاتين بالخضرة لما بينهما من التفاوت،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان١ : فوارتان بالماء، والجري أقوى من النضخ،
١ قال أهل اللغة: النضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضج بالحاء المهملة، لأن بالحاء الرش، وبالخاء المعجمة فوران الماء، قاله السمين/١٢ فتح..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان ﴾ : أفردهما بالذكر لفضلهما، فإن الرطب فاكهة، وغذاء، والرمان فاكهة ودواء١، وصف الأولين بأن فيهما من كل فاكهة صنفين،
١ وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة جمهور أهل العلم، وبه قال الشافعي، فيحنث أكل أحدهما من حلف لا يأكل فاكهة، وحينئذ فعطفهما عليه من عطف الخاص على العام تفصيلا، لم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو يوسف، ومحمد، وهو قول خلاف قول أهل اللغة، ولا حجة له في الآية/١٢ فتح..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن خيرات ﴾ : خيرات الأخلاق خفف كهين في هيّن وليّن، ﴿ حسان ﴾ : حسان الخلق،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات ﴾ : مخدرات مستورات، أو مقصورات الطرف على أزواجهن وصفهن في الأولى بقاصرات الطرف التي تدل على أنهن بالطبع قد قصرت أعينهن عليهم، وهي أتم من المقصورات التي فيها إشعار بقسر القصر، ﴿ في الخيام١ : كل خيمة من زبرجد وياقوت، ولؤلؤة واحدة فيها سبعون بابا من الدر،
١ أخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما عن أبي موسى الأشعري عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها للمؤمن من أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن / ١٢ فتح..
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن١ إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان ﴾، زاد في وصف الأوائل كأنهن الياقوت والمرجان،
١ قيل: فيه دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس/١٢ منه..
﴿ متكئين على رفرف خضر ﴾ : مجالس فوق الفرش، أو وسائد، أو رياض الجنة، ﴿ وعبقري حسان ﴾ : كل شيء نفيس من الرجال وغيره يسمى عند العرب عبقريا قيل تزعم العرب أن عبقر اسم بلد من بلاد الجن فينسبون إليه كل شيء عجيب، نعت بطائن فرش الأولين، وسكت عن ظهائرها إشعارا بأن وصفها متعذر، فأين هذا من ذاك،
﴿ فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ﴾ : تعالى اسمه ؛ لأنه مطلق على ذاته فما ظنك بذاته، ﴿ ذي الجلال ﴾ : أهل أن يجل فلا يعصى، ﴿ والإكرام ﴾ : وأهل أن يكرم فيعبد، ويشكر، ولا يكفر، وفي الحديث١ " من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وذي السلطان، وحامل القرآن غير الغالي فيه، ولا الجافي منه ".
والحمد لله حق حمده.
١ رواه الإمام أحمد [حسن، انظر صحيح الجامع (٢١٩٩)]/١٢ منه..
Icon