تفسير سورة سورة النحل

أبو عبيدة

مجاز القرآن

أبو عبيدة (ت 210 هـ)

فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ أي ما استدفئ به من أوبارها. ومنافع سوى ذلك.
آية رقم ٦
حِينَ تُرِيحُونَ بالعشى وَحِينَ تَسْرَحُونَ بالغداة.
إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ يكسر أوله ويفتح ومعناه بمشقة الأنفس، وقال النَّمر بن تَوْلَب :
وذي إبلٍ يسعَى ويَحسبها له أَخي نَصبٍ مِن شقِّها وذؤوبِ

أي من مشقتها، وقال العجاج :

أصبَحَ مَسْحولٌ يُوازِي شِقّا ***
أي يُقاسي مَشقةً، ومَسْحول بعيره
وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ السبيل : لفظه لفظ الواحد، وهو في موضع الجميع فكأنه : ومن السبيل سبيل جائر، وبعضهم يؤنث السبيل.
وَتَرى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ من مخرتِ الماءَ أس شقّته بجآجِئها، والفُلك ها هنا في موضع جميع فقال فواعل، وهو موضع واحد كقوله : الفُلْكِ المَشْحُونِ بمنزلة السلاح واحدٍ وجميع.
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أي جَعل فيها جبالاً ثوابتَ قد رست.
أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ مجازه : أن لا تميل بكم.
لاَ جَرَمَ أي حقاً، وقال أبو أسماء بن الضَّرِيبة أو عَطيّة بن عفيف :
يا كُرْزُ إنك قد مُنيتُ بفارسٍ بطَلٍ إذا هاب الكُماة مَجرَّبُ
ولقد طعنتَ أَبا عُيَيْنَةَ طَعنة جَرَمت فزارةَ بَعدها أن يَغضَبوا
أي أحقت لهم الغضب، وجرم مصدر منه : وكرز : رجل من بني عُقَيل ؛ وأبو عُيَيْنَة حِصْن بن حُذَيفة بن بَدْر.
فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ القَوَاعِدِ مجازه مجاز المثل والتشبيه والقواعد الأساس. إذا استأصلوا شيئاً قالوا هذا الكلام، وهو مثل ؛ القواعد واحدتها قاعدة، والقاعد من النساء التي لا تحيض.
وَالزُّبُرِ وهي الكتب واحدها : زبور، ويقال : زبرتُ وذبرت أي كتبت، وقال أبو ذؤيب :
عرَفتُ الدِّيارَ كرقْمِ الدُّوا ة كما زَبرَ الكاتبُ الحمِيرَيّ
وكما ذَبرَ في رواية.
آية رقم ٤٧
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ مجازه : على تنقُّص قال :
أُلاَمُ على الهجاء وكل يَوم يلاقيني من الجِيرانِ غُولُ
تخوَّفُ غَدْرِهم مالي وأُهدِي سَلاسلَ في الحُلوق لها صَليلُ
أي تَنَقّصُ غَدْرِهم مالي. سلاسل يريد القوافي تُنَشد فهو صليلها وهو قلائد في أعناقهم وقال طَرفة :
وجاملٍ خوَّف مِن نِيبهِ زجر المُعَلّى أصُلاً والسَفِيحْ
خوّف من نيبه أي لا يدعه يزيد.
وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أي دائماً، قال أبو الأسود الدُّؤَليّ :
لا أَبتغي الحمدَ القليلَ بقاؤه يوماً بِذَم الدهرِ أجْمَعَ واصِبا
فَإِلَيْه تجْأَرُونَ أي ترفعون أصواتكم، وقال عَدِيّ بن زَيْد :
إنّني واللهِ فاقْبَلْ حَلِفِي بأَبِيلٍ كلّما صلَّى جَأرْ
أي رفع صوتَه وشدَّه.
آية رقم ٥٨
وَهُوَ كَظِيمٌ ، أي : يكظم شدة حزنه ووجده ولا يظهره، وهو في موضع كاظم، خرج مخرج عليم وعالم.
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ، يُذكَّر ويؤَنث، وقال آخرون : المعنى على النَّعَم ؛ لأن النعم يذكر ويؤنث، قال :
أكلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونه يُلْقِحُه قومٌ وتَنْتجونَه
أَرْبابه نَوْكي ولا يَحْمونه ***
والعرب قد تُظهر الشيء، ثم تخبر عن بعض ما هو بسببه، وإن لم يظهروه كقوله :
قبائلنا سَبعٌ وأنتم ثَلاثةٌ وللسَّبعُ أزكى من ثَلاثٍ وأكثرُ
قال : أنتم أحياء، ثم قال : من ثلاث، فذهب به إلى القبائل. وفي آية أخرى : وَعَلَى اللهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ، أي : من السبل : سبيل جائر.
تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً ، أي : طُعْماً، ويقال : جعلوا لك هذا سكراً، أي : طُعْماً، وهذا له سَكَرٌ، أي : طُعْم، وقال جَنْدَل :
جعَلتَ عَيْبَ الأكْرمِينَ سَكَرا ***
وله موضع آخر مجازه : سَكناً، وقال :
جاء الشتاء واجثالَّ القُنَبَرُ وجعلتْ عينُ الحَرور تَسكرُ
أي : يسكن حرها ويخبو، ويقال ليلة ساكرة، أي : ساكنة، وقال :
تريد الليالَي في طولها وليست بطَلْقٍ ولا ساكرَة
ويروى : تزيد ليالي في طولها.
بَنِينَ وَحَفَدَةً ، أعواناً وخدّاماً، قال جَمِيل :
حَفدَ الولائدُ بينهنّ وأَسلَمتْ بأكُفّهن أزِمَّة الأجْمالِ
واحدهم : حافد، خرج مخرج كامل، والجميع كملة.
واللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعلَ لَكُمْ السَّمْعَ والأَبْصَارَ والأَفْئِدَةَ ، قبل أن يخرجكم، والعرب تقدِّم وتؤخِّر، قال الأخْطَل :
ضَخْمٌ تُعلَّق أَشْناقُ الدِّياتِ به إذا المِئون أمِرَّتْ فوقَه حَمَلا
الشَّنق : ما بين الفريضتين ؛ والمئون : أعظم من الشَّنَق، فبدأ بالأقل قبل الأعظم.
السَّمْعَ ، لفظه لفظ الواحد. وهو في موضع الجميع، كقولك : الأسماع، وفي آية أخرى : فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ ، وهي قبل القراءة.
جَوِّ السَّمَاءٍ ، أي الهَواء، قال :
وَيْل أمّها مِن هَواءٍ الجّو طالبة ولا كهذا الذي في الأرض مطلوبُ
وقوله : أَثَاثاً ، أي مَتاعاً، قال محمد بن نُميرَ الثَّقفيّ :
أَهاجتك الظَّمائنُ يوم بانوا بذي الرِّئيِ الجميلِ من الأثاثِ
والرئيُ : الكسوة الظاهرة وما ظهر.
وجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً ، واحدها : كِنّ.
سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الحَرَّ ، أي : قمُصاً، وَسَرَابيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ، أي : دروعاً، وقال كَعْبُ بن زُهَيْر :
شُمّ العرانينِ أبطالُ لَبوسُهم مِن نَسْجِ داودَ في الهَيْجاءِ سَرابِيلُ
قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ، كل حبل وغزل ونحو ذلك نقضته، فهو نكث، وهو من قولهم نكثت قال المسيَّب بن عَلَس :
مِن غير مقلِيةٍ وإنّ حِبالها ليست بأنْكاثٍ ولا أقطاعِ
دَخَلاً بَيْنَكُمْ ، كل شيء وأمر لم يصح، فهو دَخَلٌ. هِيَ أَرْبَى مِنْ أَمَّةٍ ، أي : أكثر.
مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَر أَو أُنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ ، " من " تَقع على الواحد وعلى الجميع والذكر والأنثى، ولفظها لفظ الواحد، فجاء الأول من الكناية على لفظ " من "، وإن كان المعنى إنما يقع على الجميع، ثم جاء الآخر من الكناية على معنى الجميع، فقال : ولَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ .
آية رقم ٩٨
فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللهِ ، مقدَّم ومؤخَّر ؛ لأن الإستعاذة قبل القراءة.
لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجمِيٌّ ، أي : يَعدِلون إليه، ويقال : أَلَحدَ فلان، أي : جار ؛ أعجميٌّ أضيف إلى أعجم اللسان.
وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ شرح صدره بذلك : تابعته نفسه وانبسط إلى ذلك، يقال : ما يشرح صدري لك بذلك، أي لا يطيب، وجاء قوله : فعليهم غضب على معنى الجميع لأن من يقع على الجميع.
يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً ، أي : واسعاً كثيراً.
فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ ، واحدها نُعمْ، ومعناه نِعمة وهما واحد، قالوا : نادى مُنادي النبيِّ عليه السلام بمنى :" إنها أيام طُعْم ونُعْم فلا تصوموا ".
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً للهِ ، أي : إماماً مطيعاً لله.
حَنِيفاً مسلماً، ومن كان في الجاهلية يختتن ويحج البيت فهو حنيف.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

45 مقطع من التفسير