تفسير سورة سورة ق
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي (ت 450 هـ)
الناشر
دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
عدد الأجزاء
6
المحقق
السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم
نبذة عن الكتاب
- جعل المؤلِّفُ الكتاب مقصورًا على تأويل ما خفي علمه، وتفسير ما غمض تصوره وفهمه.
- جمع بين أقاويل السلف والخلف، موضحاً للمؤتلف من المختلف.
- ذكر ما سنح للخاطر من محتملات التفسير، وصدرها بقوله: (ويحتمل)، ليتميز ما نقله عما قاله باجتهاده.
- قدم لهذا التفسير بفصول أيضاً تعتبر من الفصول المهمة، فذكر فيها أسماء القرآن، وتقسيم سور القرآن من الطوال والمئين والمثاني، وتعريف السورة والآية، وبيان معرفة الأحرف السبعة، وكذلك إعجاز القرآن، ثم فصل في النظر إلى جميع ما تتضمنه ألفاظه من المعاني، وما تحتمله من التأويل، وهو فصل مهم جداً.
- شرح أثر ابن عباس رضي الله عنهما في أقسام التفسير، وذكر كلامًا جيدًا يتعلق بأصول التفسير، ثم شرح الاستعاذة والبسملة، ثم شرع بالفاتحة إلى أن اختتم بالناس.
- نلاحظ في طريقة المؤلف في كتابه: أنه صاحب تفنن في ترتيب الأقوال، فهو محسن في ترتيب كتابه، بل هذه طريقته في عامة كتبه.
- اختصر الأسانيد، واكتفى بذكر المُفسِّر، مع أنه استفاد من تفسير يحيى بن سلام (ت:200هـ)، واستفاد من الطبري (ت:310هـ)، واستفاد من الثعلبي (ت:427هـ)، وهذه كلها فيها أسانيد، ومع ذلك لم يذكر الإسناد، وإنما اختصره واكتفى بذكر صاحب التفسير. ثامنًا: يلاحظ أنه أدخل أقوال المتأخرين من المتكلمين من معتزلة وغيرهم، فوقع في تفسيره بعض الأقوال الضعيفة من هذه الجهة، من جهة تأويلات المعتزلة، والماوردي حين كان ينقل ما كان يبين خطأ هذه المذاهب، فهو ينقل أقوال المعتزلة، ولا يشير إلى خطأ هذه الأقوال؛ لأنه لم ينتهج هذا المذهب، وإنما انتهج منهج اختصار هذه التفاسير، ولهذا سنجد عنده أسماء أعلام من المعتزلة مثل: الرماني، ومثل: علي بن محمد بن بحر الأصفهاني، سنجد مثل هذين الاسمين كثيرًا، ابن بحر الذي هو محمد بن بحر الأصفهاني، والرماني هو علي بن عيسى، أحياناً يقول: الرماني، وأحياناً يقول: علي بن عيسى، أحياناً يقول: ابن عيسى، فنقل عن هؤلاء المعتزلة، فصار كتابه مليئًا ومشحونًا بهذه الأقوال الباطلة.
- هذا الكتاب يُعتَبَر من الكتب التي يكثر فيها القول الشاذ في التفسير، وهو صالح للدراسة من جهة بحث الأقوال الشاذة من خلال تفسير (النكت والعيون)، فإنه سيجد مادة غزيرة جدًّا في هذه الأقوال.
- يُلاحظ أنه لا يعتني بتداخل الأقوال، لذا فهو يحكي كثيراً من الأقوال وهي متداخلة على أنها قول، مع أنها هذه الأقوال يتداخل بعضها مع بعض.
- كان الماوردي فقيهاً شافعيًا، وقد أكثر من ذكر مذهب الشافعي في كتابه هذا، وإن كان يذكر أيضاً مذهب العلماء الآخرين، لكنه يكثر من نقل مذهب الشافعي .
- أشكل المذهب العقدي على من بحث في معتقد الماوردي، وإن كان يعتبر من متكلمي الأشاعرة، وسبب ذلك: أنه ينقل أقوال المعتزلة وغيرهم، حتى أحيانًا ينقل أقوال الرافضة ولا يعلق عليها، فبعضهم يقول: إن فيه رفضاً، وبعضهم يقول: إن فيه اعتزالاً، وإن كان الأصل فيه أنه من متكلمي الأشاعرة، لكن سبب الإشكالية أنه ينقل أقوال هؤلاء ولا يعلق عليها.
- اعتنى بالمشكلات، اهتم بنقلها، وكل هذا من اعتنائه بالنقل؛ فليس من كلامه هو، وإنما اعتنى بنقل ما يكون للعلماء من المشكلات والإجابة عليها.
- اعتنى بنقل الفروق اللغوية واستفاد كثيرًا من الرماني في ذلك؛ لأن الرماني في تفسيره اعتنى كثيراً بالفروق اللغوية.
مكية كلها في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وقال ابن عباس وقتادة : إلا آية وهي قوله تعالى : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما الآية.
بسم الله الرحمان الرحيم
أي وقفت. ويحتمل ما أريد بوقفه عليه وجهين: أحدهما: قف على إبلاغ الرسالة لئلا تضجر بالتكذيب. الثاني: قف على العمل بما يوحى إليك لئلا تعجل على ما لم تؤمر به. ﴿وَالْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الكريم، قاله الحسن. الثاني: أنه مأخوذ من كثرة القدرة والمنزلة، لا من كثرة العدد من قولهم فلان كثير في النفوس، ومنه قول العرب في المثل السائر: لها في كل الشجر نار، واستجمد المرخ والعفار، أي استكثر هذان النوعان من النار وزاد على سائر الشجر، قاله ابن بحر. الثالث: أنه العظيم، مأخوذ من قولهم قد مجدت الإبل إذا أعظمت بطونها من كلأ الربيع. ﴿والْقُرْءَانِ المَجِيدِ﴾ قسم أقسم الله به تشريفاً له وتعظيماً لخطره لأن عادة جارية في القسم ألا يكون إلا بالمعظم. وجواب القسم محذوف ويحتمل وجهين: أحدهما: هو أن محمداً رسول الله ﷺ بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ﴾. الثاني: أنكم مبعوثون بدليل قوله: ﴿إِئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾. قوله عز وجل: ﴿بَلْ عَجِبُواْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٌ مِّنهُمْ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عجبوا أن دعوا إلى إله واحد، قاله قتادة. الثاني: عجبوا أن جاءهم منذر منهم، من قبل الله تعالى. الثالث: أنهم عجبوا من إنذارهم بالبعث والنشور. قوله عز وجل: ﴿قَدْ عَلمْنَا مَا تَنقُصُ الأَرْضُ مِنْهُم﴾ فيه وجهان: أحدهما: من يموت منهم، قاله قتادة.
| (مرج الدين فأعددت له | مشرف الحارك محبوك الكتد) |
| (رسا أصله تحت الثرى وسما به | إلى النجم فرع لا ينال طويل) |
| (لسنا كما إياد دارها | تكريث ينظر حبه أن يحصدا) |
| (يا ابن الذين بفضلهم | بسقت على قيس فزاره) |
| (فلما تركنا الدار ظلت منيفة | بقران فيه الباسقات المواقر) |
وَألقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ يعني الجبال الرواسي الثوابت، واحدها راسية قال الشاعر(١) :
| رسا أصله تحت الثرى وسما به | إلى النجم فرع لا ينال طويل |
بَهِيجٍ فيه وجهان :
أحدهما : حسن، مأخوذ من البهجة وهي الحسن.
الثاني : سارّ مأخوذ من قولهم قد أبهجني هذا الأمر أي سرني، لأن السرور يحدث في الوجه من الإسفار والحمرة ما يصير به حسناً. قال الشعبي : الناس نبات الأرض فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.
أحدها : يعني بصيرة للإنسان، قاله مجاهد.
الثاني : نعماً بصر الله بها عباده، قاله قتادة.
الثالث : يعني دلالة وبرهاناً.
وَذِكْرَى لِكُلّ عَبْدٍ مُنِيبٍ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أن المنيب المخلص، قاله السدي.
الثاني : أنه التائب إلى ربه، قاله قتادة.
الثالث : أنه الراجع المتذكر، قاله ابن بحر.
وقد عم الله بهذه التبصرة والذكرى وإن خص بالخطاب كل عبد منيب لانتفاعه بها واهتدائه إليها.
فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ فيها هنا وجهان :
أحدهما : أنها البساتين، قاله الجمهور.
الثاني : الشجر، قاله ابن بحر.
وَحَبَّ الحَصِيدِ يعني البر والشعير، وكل ما يحصد من الحبوب، إذا تكامل واستحصد سمي حصيداً، قال الأعشى :
| لسنا كما إياد دارها | تكريث ينظر حبه أن يحصدا |
أحدهما : أنها الطوال، قاله ابن عباس ومجاهد. قاله الشاعر(١) :
يا ابن الذين بفضلهم *** بسقت على قيس فزاره
أي طالت عليهم.
( الثاني ) أنها التي قد ثقلت من الحمل، قاله عكرمة. وقال الشاعر :
فلما تركنا الدار ظلت منيفة *** بقران فيه الباسقات المواقر
نَضِيدٌ أي منضود، فيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أن النضيد المتراكم المتراكب، قاله ابن عباس في رواية عكرمة عنه.
الثاني : أنه المنظوم، وهذا يروى عن ابن عباس أيضاً.
الثالث : أنه القائم المعتدل، قاله ابن الهاد.
وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلدَةً ميتاً كَذِلكَ الخُرُوجُ جعل هذا كله دليلاً على البعث والنشور من وجهين :
أحدهما : أن النشأة الأولى إذا خلقها من غير أصل كانت النشأة الثانية بإعادة ما له أصل أهون.
الثاني : أنه لما شوهد من قدرته، إعادة ما مات من زرع ونبات كان إعادة من مات من العباد أولى للتكليف الموجب للجزاء.
| (بكرن بكوراً واستحرن بسحرة | فهن ووادي الرس كاليد في الفم) |
| (واحكم بحكم فتاة الحي إذ نظرت | إلى حمام سراع وارد الثمد) |
| (كأن عرين أيكته تلاقى | بها جمعان من نبط وروم) |
| (صدق مقالته واحذر عداوته | والبس عليه بشك مثل ما لبسا) |
فِرْعَوْنَ وقد اختلف في أصله فحكي عن مجاهد أنه كان فارسياً من أهل اصطخر. وقال ابن لهيعة : كان من أهل مصر وحكي عن ابن عباس أنه عاش ثلاثمائة سنة منها مائتان وعشرون سنة لا يرى ما يقذي عينه، فدعاه موسى ثمانين سنة. وحكى غيره أنه عاش أربعمائة سنة.
واختلف في نسبه فقال بعضهم هو من لخم، وقال آخرون هو من تبَّع.
وَإِخْوَانُ لُوطٍ يعني قومه وأتباعه، قال مجاهد : كانوا أربعمائة ألف بيت، في كل بيت عشرة مردة، فكانوا أربعة آلاف ألف.
وقال عطاء : ما من أحد من الأنبياء إلا وقد يقوم معه قوم يقوم إلا لوط فإنه يقوم وحده.
| كأن عرين أيكته تلاقى | بها جمعان من نبط وروم |
وَقَوْمُ تُبَّعٍ وتبع كان رجلاً من ملوك العرب من حِمير، سُمي تبعاً لكثرة من تبعه. قال وهب : إن تبعاً أسلم وكفر قومه، فلذلك ذكر قومه، ولم يذكر تبع. قال قتادة وهو الذي حير الحيرة وفتح سمرقند حتى أخربها، وكان يكتب إذا كتب : بسم الله الذي تَسمى وملك براً وبحراً وضحى وريحاً.
كُلٌّ كَذَّبَ الرّسلَ فَحَقَّ وَعِيدِ يعني أن كل هؤلاء كذبوا من أرسل إليهم، فحق عليهم وعيد الله وعذابه. فذكر الله قصص هؤلاء لهذه الأمة، ليعلم المكذبون منهم بالنبي ﷺ أنهم كغيرهم من مكذبي الرسل إن أقاموا على التكذيب فلم يؤمنوا، حتى أرشد الله منهم من أرشد وتبعهم رغباً ورهباً من تبع.
| صدق مقالته واحذر عداوته | والبس عليه بشك مثل ما لبسا |
أحدهما : أفعجزنا عن إهلاك الخلق الأول، يعني من تقدم ذكره حين كذبوا رسلي مع قوتهم، حتى تشكوا في إهلاكنا لكم مع ضعفكم إن كذبتم، فيكون هذا خارجاً منه مخرج الوعيد.
الثاني : معناه أننا لم نعجز عن إنشاء الخلق الأول، فكيف تشكون في إنشاء خلق جديد، يعني بالبعث بعد الموت، فيكون هذا خارجاً مخرج البرهان والدليل.
(وسوس يدعو مخلصاً رب الفلق............... )
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبٌ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه حبل معلق به القلب، قاله الحسن. والأصم وهو الوتين. الثاني: أنه عرق في الحلق، قاله أبو عبيدة. الثالث: ما قاله ابن عباس، عرق العنق ويسمى حبل العاتق، وهما وريدان عن يمين وشمال، وسمي وريداً، لأنه العرق الذي ينصب إليه ما يرد من الرأس. وفي قوله ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِن حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ تأويلان: أحدهما: ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذي هو منه.
| (ولقد قلت حين لم يك عنه | لي ولا للرجال عنه محيد.) |
| (لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى | إذا حشرجت يوماً، وضاق بها الصدر) |
قال الحسن : حتى إذا مت طويت صحيفة عملك وقيل لك يوم القيامة : اقْرَأ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً عدل(١) والله عليك من جعلك حسيب نفسك.
وفي قَعِيدٌ وجهان :
أحدهما : أنه القاعدة، قاله المفضل.
الثاني : المرصد الحافظ، قاله مجاهد. وهو مأخوذ من القعود(٢).
قال الحسن : الحفظة أربعة : ملكان بالنهار وملكان بالليل.
٢ ليس المراد بالقعود ضد القيام وإنما المراد الملازمة..
إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه المتتبع للأمور.
الثاني : أنه الحافظ، قاله السدي.
الثالث : أنه الشاهد، قاله الضحاك.
وفي عَتِيدٌ وجهان :
أحدهما : أنه الحاضر الذي لا يغيب.
الثاني : أنه الحافظ المعد إما للحفظ وإما للشهادة.
أحدهما : ما يراه عند المعاينة من ظهور الحق فيما كان الله قد أوعده.
الثاني : أن يكون الحق هو الموت، سمي حقاً، إما لاستحقاقه، وإما لانتقاله إلى دار الحق. فعلى هذا يكون في الكلام تقديم وتأخير. وتقديره : وجاءت سكرة الحق بالموت، ووجدتها في قراءة ابن مسعود كذلك.
ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ يحتمل وجهين :
أحدهما : أنه كان يحيد من الموت، فجاءه الموت.
الثاني : أنه يحيد من الحق، فجاءه الحق عند المعاينة.
وفي معنى التحيد وجهان :
أحدهما : أنه الفرار، قاله الضحاك.
( الثاني ) : العدول، قاله السدي. ومنه قول الشاعر :
| ولقد قلت حين لم يك عنه | لي ولا للرجال عنه محيد |
| لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى | إذا حشرجت يوماً، وضاق بها الصدر(١) |
٢ هذه العبارة يقتضيها السياق وقد أخذناها من تفسير القرطبي..
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدهما : أنه ملك يسوقه إلى المحشر، قاله أبو هريرة وابن زيد.
الثاني : أنه أمر من الله يسوقه إلى موضع الحساب، قاله الضحاك.
وأما الشهيد ففيه أربعة أقاويل :
أحدها : أنه ملك يشهد عليه بعمله، وهذا قول عثمان بن عفان والحسن.
الثاني : أنه الإنسان، يشهد على نفسه بعمله، رواه أبو صالح.
الثالث : أنها الأيدي والأرجل تشهد عليه بعمله بنفسه، قاله أبو هريرة.
ثم في الآية قولان :
أحدهما : أنها عامة في المسلم والكافر، وهو قول الجمهور.
الثاني : أنها خاصة في الكافر، قاله الضحاك.
أحدهما أنه الكافر، كان في غفلة من عواقب كفره، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه النبي صلى الله عليه وسلم، كان في غفلة عن الرسالة مع قريش في جاهليتهم، قاله عبد الرحمن بن زيد.
ويحتمل ثالثاً : لقد كنت أيها الإنسان في غفلة(١) عن أن كل نفس معها سائق وشهيد لأن هذا لا يعرف إلا بالنصوص الإلهية.
فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فيه أربعة أوجه :
أحدها : أنه إذا كان في بطن أمه فولد، قاله السدي.
الثاني : إذا كان في القبر فنشر، وهذا معنى قول ابن عباس.
الثالث : أنه وقت العرض في القيامة، قاله مجاهد.
الرابع : أنه نزول الوحي وتحمل الرسالة، وهذا معنى قول ابن زيد.
فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ وفي المراد بالبصر هنا وجهان :
أحدهما : بصيرة القلب لأنه يبصر بها من شواهد الأفكار، ونتائج الاعتبار ما تبصر العين ما قابلها من قبلها من الأشخاص والأجسام، فعلى هذا في قوله : حَدِيدٌ تأويلان :
أحدهما : سريع كسرعة مور الحديد.
الثاني : صحيح كصحة قطع الحديد.
الوجه الثاني : أن المراد به بصر العين وهو الظاهر، فعلى هذا في قوله : حَدِيدٌ تأويلان :
أحدهما : شديد، قاله الضحاك.
الثاني : بصير، قاله ابن عباس.
وماذا يدرك البصر ؟ فيه خمسة أوجه :
أحدها : يعاين الآخرة، قاله قتادة.
الثاني : لسان الميزان، قاله الضحاك.
الثالث : ما يصير إليه من ثواب أو عقاب، وهو معنى قول ابن عباس.
الرابع : ما أمر به من طاعة وحذره من معصية، وهو معنى قول ابن زيد.
الخامس : العمل الذي كان يعمله في الدنيا، قاله الحسن.
| (فإن تزجراني يابن عفان أنزجر | وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعاً) |
| (بثينة قالت يا جميل أربتنا | فقلت كلانا يا بثين مريب) |
| (وأريبنا من لا يؤدي أمانة | ولا يحفظ الأسرار حين يغيب) |
أحدها : أن المأمور بألقيا كل كافر في النار ملكان.
الثاني : يجوز أن يكون واحدا ويؤمر بلفظ الاثنين كقول الشاعر :
| فإن تزجراني يابن عفان أنزجر | وإن تدعاني أحم عرضاً ممنعاً(١) |
ويحتمل وجهين : أحدهما : أنه الكافر الذي كفر بالله ولم يطعه، وكفر بنعمه ولم يشكره.
الثاني : أنه الذي كفر بنفسه وكفر غيره بإغوائه.
وأما العنيد ففيه خمسة أوجه :
أحدها : أنه المعاند للحق، قاله بعض المتأخرين.
الثاني : أنه المنحرف عن الطاعة، قاله قتادة.
الثالث : أنه الجاحد المتمرد، قاله الحسن.
الرابع : أنه المشاق، قاله السدي.
الخامس : أنه المعجب بما عنده المقيم على العمل به، قاله ابن بحر.
فأما العاند ففيه وجهان :
أحدهما : أنه الذي يعرف بالحق ثم يجحده.
الثاني : أنه الذي يدعى إلى الحق فيأباه.
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
أما قائل البيت فهو سويد بن كراع العكلي..
أحدها : أنه منع الزكاة المفروضة، قاله قتادة.
الثاني : أن الخير المال كله، ومنعه حبسه عن النفقه في طاعة الله، قاله بعض المتأخرين.
الثالث : محمول على عموم الخير من قول وعمل.
مُعْتَدٍ مُرِيبٍ في المريب ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه الشاك في الله، قاله السدي.
الثاني : أنه الشاك في البعث، قاله قتادة.
الثالث : أنه المتهم. قال الشاعر(١) :
| بثينة قالت يا جميل أربتنا | فقلت كلانا يا بثين مريب |
| وأريبنا من لا يؤدي أمانة | ولا يحفظ الأسرار حين يغيب |
بعيد على من ليس يطلب حاجة وأما على ذي حاجة فقريب.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
أحدهما : أن اختصامهم هو اعتذار كل واحد منهم فيما قدم من معاصيه، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه تخاصم كل واحد مع قرينه الذي أغواه في الكفر، قاله أبو العالية.
فأما اختصامهم في مظالم الدنيا، فلا يجوز أن يضاع لأنه يوم التناصف.
وقد قدمت إليكم بالوعيد فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن الوعيد الرسول، قاله ابن عباس.
الثاني : أنه القرآن، قاله جعفر بن سليمان.
الثالث : أنه الأمر والنهي، قاله ابن زيد.
ويحتمل رابعاً : أنه الوعد بالثواب والعقاب.
أحدها : فيما أوجبه من أمر ونهي، وهذا معنى قول ابن زيد.
الثاني : فيما وعد به من ثواب وعقاب ؛ وهذا معنى قول مجاهد.
الثالث : فيما عمله الإنسان من طاعة ومعصية، وهو محتمل.
الرابع : في أن بالحسنة عشر أمثالها وبخمس الصلوات خمسين صلاة، قاله قتادة.
وَمَآ أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلعَبِيدِ فيه وجهان :
أحدهما : ما أنا بمعذب من لم يجرم، قاله ابن عباس.
الثاني : ما أزيد في عقاب مسيء ولا أنقص من ثواب محسن، وهو محتمل.
| (امتلأ الحوض وقال قطني | مهلاً رويداً قد ملأت بطني) |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أحدها : أنه الذاكر ذنبه في الخلاء، قاله الحكم.
الثاني : أنه الذي إذا ذكر ذنباً تاب واستغفر الله منه، قاله ابن مسعود ومجاهد والشعبي.
الثالث : أنه الذي لا يجلس مجلساً فيقوم حتى يستغفر الله فيه، قاله عبيد بن عمير.
وأما الحفيظ هنا ففيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه المطيع فيما أمر، وهو معنى قول السدي.
الثاني : الحافظ لوصية الله بالقبول، وهو معنى قول الضحاك.
الثالث : أنه الحافظ لحق الله بالاعتراف ولنعمه بالشكر، وهو معنى قول مجاهد. وروى مكحول عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ :" مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبعِ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ كَانَ أَوَّاباً حَفِيظاً ".
أحدهما : أنه الذي يحفظ نفسه من الذنوب في السر كما يحفظها في الجهر.
الثاني : أنه التائب في السر من ذنوبه إذا ذكرها، كما فعلها سراً.
ويحتمل ثالثاً : أنه الذي يستتر بطاعته لئلا يداخلها في الظاهر رياء. ووجدت فيه لبعض المتكلمين.
رابعاً : أنه الذي أطاع الله بالأدلة ولم يره.
وَجَآءَ بِقَلبٍ منِيبٍ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه المنيب المخلص، قاله السدي.
الثاني : أنه المقبل على الله، قاله سفيان.
الثالث : أنه التائب، قاله قتادة.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَلَدَينَا مَزِيدٍ فيه وجهان :
أحدهما : أن المزيد من يزوج بهن من الحور العين، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعاً.
الثاني : أنها الزيادة التي ضاعفها الله من ثوابه بالحسنة عشر أمثالها(١).
وروى أنس عن النبي ﷺ أن جبريل أخبره : أن يوم الجمعة يدعى في الآخرة يوم المزيد(٢). وفيه وجهان :
أحدهما : لزيادة ثواب العمل فيه.
الثاني : لما روي أن الله تعالى يقضي فيه بين خلقه يوم القيامة.
٢ لم أجده بهذه الألفاظ. انظر في فضائل يوم الجمعة جامع الأصول ٩/ ٢٦٥ إلى ٢٧٢..
| (وقد نقبت في الآفاق حتى | رضيت من الغنيمة بالإياب) |
| (أغرك مني أن حبك قاتلي | وأنك مهما تأمري القلب يفعل) |
| (إذا رقى الحادي المطي اللغبا | وانتعل الظل فصار جوربا) |
أحدهما : لمن كان له عقل، قاله مجاهد، لأن القلب محل العقل.
الثاني : لمن كانت له حياة ونفس مميزة، فعبر عن النفس الحية بالقلب لأنه وطنها ومعدن حياتها. كما قال امرؤ القيس :
| أغرك مني أن حبك قاتلي | وأنك مهما تأمري القلب يفعل |
أحدها : ألقى السمع فيما غاب عنه بالأخبار، وهو شهيد فيما عاينه بالحضور.
الثاني : معناه سمع ما أنزل الله من الكتب وهو شهيد بصحته.
الثالث : سمع ما أنذر به من ثواب وعقاب، وهو شهيد على نفسه بما عمل من طاعة أو معصية.
وفي الآية ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنها في جميع أهل الكتب، قاله قتادة.
الثاني : أنها في اليهود والنصارى خاصة، قاله الحسن.
الثالث : أنها في أهل القرآن خاصة، قاله محمد بن كعب وأبو صالح.
| إذا رقى الحادي المطي اللغبا | وانتعل الظل فصار جوربا |
وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ الآية. وهذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم، فهو عام له ولأمته.
وفي هذا التسبيح وجهان :
أحدهما : أنه تسبيحه بالقول تنزيهاً قبل طلوع الشمس وقبل الغروب، قاله أبو الأحوص.
الثاني : أنها الصلاة ومعناه فصلِّ بأمر ربك قبل طلوع الشمس، يعني صلاة الصبح، وقبل الغروب، يعني صلاة العصر، قاله أبو صالح ورواه جرير بن عبد الله مرفوعاً.
أحدها(١) : أنه تسبيح الله تعالى قولاً في الليل، قاله أبو الأحوص.
الثاني : أنها صلاة الليل، قاله مجاهد.
الثالث : أنها ركعتا الفجر، قاله ابن عباس.
الرابع : أنها صلاة العشاء الآخرة، قاله ابن زيد.
ثم قال وَأَدْبَارَ السُّجُودِ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : أنه التسبيح في أدبار الصلوات، قاله أبو الأحوص.
الثاني : أنها النوافل بعد المفروضات، قاله ابن زيد.
الثالث : أنها ركعتان بعد المغرب، قاله علي رضي الله عنه وأبو هريرة.
وروى ابن عباس قال : بت ليلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى ركعتين قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال :" يا ابن عباس رَكْعَتَانِ قَبْلَ الفَجْرِ أَدْبَارَ النُّجُومِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ أَدْبَارَ السُّجُودِ(٢) ".
٢ رواه الترمذي في تفسير سورة ق رقم ٣٢٧١ وفيه ضعف. انظر جامع الأصول ٢/ ٣٦٧..
| (وليس يوم سمي الخروجا | أعظم يوم رجه رجوجا) |
| (وكنا إذا الجبار صعر خده | أقمنا له من صعره فتقوما) |
| (وإني وإن أوعدته أو وعدته | لمخلف إيعادي ومنجز موعدي) |
بسم الله الرحمن الرحيم
أحدهما : يعني بقول الحق.
الثاني : بالبعث الذي هو حق.
ذلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ فيه وجهان :
أحدهما : الخروج من القبور.
الثاني : أن الخروج من أسماء القيامة. قال العجاج :
وليس يوم سمي الخروجا *** أعظم يوم رجه رجوجا
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
أحدهما : نحن أعلم بما يجيبونك من تصديق أو تكذيب.
الثاني : بما يسرونه من إيمان أو نفاق.
وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها : يعني برب(١)، قاله الضحاك، لأن الجبار هو الله تعالى سلطانه.
الثاني : متجبر عليهم متسلط، قاله مجاهد. ولذلك قيل لكل متسلط جبار. قال الشاعر(٢) :
| وكنا إذا الجبار صعر خده | أقمنا له من صعره فتقوما |
الثالث : أنك لا تجبرهم على الإسلام من قولهم قد جبرته على الأمر إذا قهرته على أمر، قاله الكلبي.
فَذَكِّرْ بِالقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ الوعيد العذاب، والوعد الثواب. قال الشاعر(٣) :
| وإني وإن أوعدته أو وعدته | لمخلف إيعادي ومنجز موعدي |
٢ هو المتلمس كما ذكر المرزباني. والبيت من قصيدة مطلعها.
يعيرني أمي رجال ولن ترى أخا كرم إلا بأن يتكرما
وقيل هو لعمرو بن حنى التغلبي ولكن هذا القول مرجوح.
٣ هو عامر بن الطفيل والبيت في اللسان -وعد.
٤ أخرجه ابن جرير من طريق عمرو بن قيس عن ابن عباس..
تم عرض جميع الآيات
43 مقطع من التفسير