تفسير سورة سورة الشعراء
إبراهيم القطان
لعلّك أيها الرسول ستقتل نفسك إن لم يؤمن قومُك برسالتك، هوِّنْ عليك فإن الله سينصرك ومثله قوله تعالى : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً [ الكهف : ٦ ].
إن في قدرتنا أن نأتيَهم بمعجزة تُلجئهم إلى الإيمان وتجبرهم عليه، فيخضعون. ويتم ما نرجوه.
وما يجدد الله لقومك من موعظةٍ وتذكيرٍ إلا جدّدوا إعراضا وتكذيبا واستهزاء.
وبعد أن بيّن إعراضهم عن الآيات المنزلة من عند ربهم، ذكر أنهم أعرضوا عما يشاهدونه من آياتٍ باهرة فقال : يَرَوْاْ إلى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ؟ كيف اجترؤوا على مخالفة الرسول وتكذيب كتابة ! ! أوَلَم ينظروا ويتأملوا في عجائب قدرته تعالى وخلقِه هذه الأصنافَ التي تسترعي الأنظار، وتبهر الناظرين !.
اذكر يا محمد، لقومك إذ نادى اللهُ موسى وأمَرَه أن يذهب إلى الظالمين.
قراءات :
قرأ يعقوب : ويضيق صدري ولا ينطلق لساني بنصب يضيق وينطلق، والباقون بالرفع
ما ارتكبتَه أنت مع بني إسرائيل من استعبادٍ وقتل وإذلال.
وهنا كشف موسى عن معجزتيه : ألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ ظاهر حي يخيف.
فقال لمن حوله : إن هذا ساحرٌ كبير.
يريد أن يستميل إليه قلوبكم لتؤمنوا به، فيكثر بذلك أتباعه ويأخذَ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ ماذا أصنع به ؟
حاشرِين : اجعل رجال الشرطة يحشرون السحرة من جميع البلاد.
فأجابوه بقولهم : أخِّرْه مع أخيه، واضربْ لهما موعِدا.
يوم معلوم : يوم العيد كما جاء في سورة طه يوم الزينة.
ذُكرت هذه المباراة في سورة الأعراف وسورة طه وفي هذه السورة وخلاصتها :
أن فرعون وقومه أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، فأبى الله إلا أن يُتمَّ نورَه ولو كره الكافرون.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
فألقَوا حبالهم وعصيَّهم. وخيِّل للناس المجتمعين أنها تسعى. وأقسموا بعزّة فرعون إنهم الغالبون.
يأفكون : يكِذبون بقلب الحقائق، بكيدهم وسحرهم.
فألقى موسى عصاه فإذا بها تبتلع كل ما ألقوه، وما خدعوا من أعينَ الناس.
قراءات :
قرأ حفص : تلقف بسكون اللام وفتح القاف دون تشديد. والباقون : تلقف بفتح اللام وتشديد القاف المفتوحة.
فقال فرعون وقد أخذه الغضب : وأخذ يهدد السحرة ويتوعدهم ويقول : إنه لكبيرُكُم الذي علَّمكم السحرَ. إن موسى هذا هو الذي علّمكم هذا السحر، وقد تواطأتم معه، فلسوف تعلمون ما سأفعله بكم وبه، لأقطَعَنَّ أيديَكم وأرجُلكم بشكل متخالف، ولأصْلبنَّكم على جذوع الشجر.
قراءات :
قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وروح : أأمنتم بهمزتين، والباقون : آمنتم.
منقلبون : راجعون.
فقالوا جميعا : لا ضرر، افعلْ ما تريد، فإن المرجع إلى الله، وهو لا يُضيع أجر من أحسن عملا.
متبعون : يتبعكم فرعون وجنوده.
وأوحى الله إلى موسى أن يَسْرِيَ ببني إسرائيل ليلاً ويخرج من مصر، وأن يمضيَ بهم حيث ما يؤمر. ففعل. كذلك أعلمه الله أن فرعون سيتبعهم.
يقول لهم : إن موسى ومن معه شِرذمة قليلة.
قد أغاظونا بإيمانهم بموسى وربه.
فعليكم جميعا أن تحذَروهم.
قراءات :
قرأ أهل الكوفة وابن عامر : حاذرون بألف بعد الحاء، والباقون : حذرون .
يعني أنه أخرج بني إسرائيل من ذلك النعيم، وأورث بني إسرائيل جناتٍ وعيوناً مماثلة لها في أرضٍ غيرها، ولا يمكن أن يكون بنو إسرائيل عادوا إلى مصر وورثوها وأقاموا بها.
ولحقَ فرعون وجنوده موسى ومن معه عند شروق الشمس.
لمدرَكون : سيدركوننا.
فلما رآهم قوم موسى خافوا وقالوا : أدركَنا فرعون ! !
قراءات :
قرأ حفص : معيَ ربي بفتح الياء، والباقون : معي ربي بسكونها.
الفِرق : بكسر الفاء الجزء.
الطود : الجبل.
فأوحى الله إلى موسى أن اضرِبْ بعصاك البحر، فضربه، فانفلق البحر قسمين عظيمين كل قسم كالجبل.
ثم : هناك.
إن في هذا الذي حدثَ في البحر لمعجزةً وعبرة لمن أراد أن ينتفع. لكنّ أكثرهم لم يؤمنوا ولم يعتبروا مع ما رأوا من الآيات العظام والمعجزات الباهرات.
في هذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها عرضٌ لقصة إبراهيم والحِجر ومريم والأنبياء والحج، وكانت القصة في كل سورة مناسبةً لسياقها العام، وعُرِض منها ما يتفق مع موضوع السورة.
وخلاصتها : أخبرْ يا محمد، الناس قصة إبراهيم
قالوا : نعبد أصناماً ونلتزم طاعتها ونواظب على ملازمتها.
والذي أطمع أن يغفر لي ذنوبي يوم القيامة.
ثم توجه إبراهيم إلى ربه بالدعاء فقال : يا رب، امنحني عِلماً أسير على هداه، ووفّقني لأنتظمَ في عداد الصالحين.
واجعل لي ثناءً حينا، وذِكراً جميلاً يبقى أثره بين الناس إلى يوم القيامة.
ولا تُذلّني يوم القيامة.
وقُرّبت الجنةُ وهيئت للسعداء الذين أطاعوا الله وآمنوا برسُله واتبعوا دينه.
الغاوين : الضالين عن طريق الحق.
كما أُظهِرت جهنّم للضالين الجاحدين.
إنكم وإياهم جميعاً في النار ثم أُلقوا في الجحيم على وجوههم.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
باتّباعكم حين أطعناكم وسوّيناكم برب العالمين.
ولا صديقَ يحمينا منها !
يا ليتنا نعودُ إلى الدنيا فنؤمن بالله ونكفر بكم.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قراءات :
قرأ يعقوب : وأتباعك الأرذلون وقرأ الباقون : اتبعك الأرذلون
فلستُ الا نذيراً أُبلّغ عن ربي.
فهدده قومه وقالوا له : لئن لم ترجعْ عن دعواك هذه لنرجمنَّك كالمجرمين.
فاحكم بيني وبينهم ونجّني ومن معي من المؤمنين.
المشحون : المملوء، شحن السفينة : ملأها.
فأنجاه الله ومن معه في سفينته المشحونة بالخلْق والدوابّ.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تقدمت قصة عادٍ في سورة الأعراف مفصَّلة، وفي سورة هود، وفي سورة المؤمنون بدون ذكر اسم هود وعاد. وتُعرَض هنا مختصرةً، وتبدأ كما بدأت قصة نوح وقومه.
كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين .
آية : قصرا عاليا.
تعبثون : تفعلون ما لا فائدة فيه.
أتشيدون بكل مكانٍ مرتفع من الأرض بناءً شامخا تتفاخرون به وتعبثون فيه بالفسق والفجور !
لعلكم تخلدون : كأنكم خالدون في هذه الدنيا.
وتتخذون القصورَ المشيدة والحصونَ المنيعة كأنكم خالدون في هذه الدنيا !
جبارين : متسلطين بلا رأفة ولا شفقة.
وإذا أخذتم قوماً في حربٍ أخذتموهم بعنف الجبابرة دون شفقة أو رحمة !
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
اتقوا الله الذي أمدّكم بالأنعام والأولاد.
قالوا : إننا لدعوتك مكذّبون، سواء علينا أوعظتَنا أم لم تعِظنا. نحن لن نطيع أمرك.
لأننا نتّبع أخلاق آبائنا وما كانوا يعملون.
قراءات :
قرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي : إن هذا الا خُلْق الأولين بضمّ الخاء وسكون اللام وقرأ الباقون : خَلَق بفتح الخاء واللام.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وكذّب قوم ثمود نبيّهم صالحا.
هضيم : ناضج لين.
وزرع ونخلٍ ثمرُها يانعٌ لطيف.
فارهين : نشطين فرحين.
وتنحتون من الجبال بيوتا مترفين نشطين ؟
قراءات :
قرأ ابن كثير وأبو عمرو : فَرِهين بدون ألف، وقرأ الباقون : فارهين بألف بعد الفاء.
قالوا : ما أنت إلا من المسحورين.
قال : إن معجزتي هذه الناقة، لها نصيبٌ من الماء في يومٍ لها ولكم نصيب مثلُه في يوم آخر.
فعقروها ثم ندموا على ما فعلوا خوفاً من العذاب.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
أرسل الله لوطاً إلى قومٍ يسكنون في منطقة البحر الميت، أخفضِ بقعة في العالم، وهي واقعة في وادي الأردن. وكانت مدينة سَدُوم وما حولها من القرى عامرة بالخيرات.
فدعاهم لوط إلى عبادة الله، وَتركِ أقبح عادةٍ كانوا يعملونها وقال لهم ! ألا تتقون الله وتخافون عذابه
إنكم يا قومُ دون الناس جميعاً تفعلون الفاحشة بالذكور
وتتركون ما خلق الله لكم من النساء !
فأجابوه : يا لوط، إما أن تتركنا مع شهواتنا وتترك دينَك أو نخرجك من بلادنا.
فقال لهم : إني لعملكم هذا من المبغضين.
إلا زوجته العجوز التي كفرت بدينه.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تقدمت قصة شعيب في سورة الأعراف، وفي سورة هود. وكان أصحاب الأيكة يسكنون في غابةٍ قرب « مدين » أرسل الله إليهم شُعيباً فكذّبوه.
قراءات :
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر : أصحاب ليكة بدون ألف، والباقون : الأيكة .
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
ونصحهم وقال لهم : أوفوا الكيلَ.
وزِنوا للناس دون زيادة أو نقصان.
لا تعثوا : لا تفسدوا.
ولا تنقصوا حقوق الناس، ولا تفسدوا في الأرض بقتل الناس وقطع الطرقات.
اتقوا الله الذي خلقكم والذين من قبلكم.
أسقطْ علينا قطعاً من السماء إن كنت من الصادقين !
فكذّبوه فأهلكهم الله بتسليط الحر الشديد، وأظلّتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأسقطها الله عليهم ناراً فأهلكتهم جميعا، في يوم شديد الهول.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
بعد ذلك بين الله تعالى أن هذا القرآن الذي جاء بذلك القصص وحيٌ من عنده.
قراءات :
قرأ ابن عامر وأبو بكر وحمزة والكسائي : نزّلَ به الروحَ الأمينَ بتشديد الزاي المفتوحة ونصب الروح الأمين، والباقون : نَزَلَ به الروح الأمين : بفتح الزاي دون تشديد، ورفع الروح الأمين.
أنزله على عبده ورسوله.
وإن ذكره في الكتب المتقدمة المأثورة عن الأنبياء الذين بشروا به كما جاء على لسان عيسى بن مريم وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابني إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ [ الصف : ٦ ]
وإن العلماء من بني إسرائيل يجدون ذكره في كتبهم كما قال تعالى : الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل [ الأعراف : ١٥٧
قراءات :
قرأ ابن عامر : أولم تكن لهم آيةٌ بالتاء ورفع آية، اسم تكن، والباقون : أولم يكن لهم آيةً بالياء ونصب آية، خبر يكن.
وإن قومك أيها الرسول سمعوا القرآن وعرفوا فصاحته، وأدركوا أنه معجز لا يعارَضُ بكلام مثله، ومع هذا لم يؤمنوا به فلو أنّا أنزلناه على بعض الأعجمين.
بيَّنا لهم القرآن ودخل قلوبهم ولم يؤمنوا به.
ت ٢٠١
فيتمنون عند ذلك أن يؤخَّروا حتى يؤمنوا. ولكن هيهات... فات الأوان. فقد جرت سنة الله أن لا يُهلك قوماً إلا بعد أن يبعث فيهم مبشّرين ومنذرين.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وما كان شأننا الظلم فنعذّبَ أُمة قبل أن نبعث إليها رسولا.
وما يجوز لهم وما يستطيعون.
أخلِص العبادة لله وحده، ولا تشرك به سواه، كما يدعوك قومك، فإن فعلت ذلك كنتَ منن المعذَّبين
روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال :« لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا، وأتى الصَّفا فصعد عليه ثم نادى : يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه، فقال : يا بني عبدِ المطّلب، يا بني فِهر، يا بني لؤي، أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني ؟ قالوا : نعم، قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب : تباً لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا » ؟ فأنزل الله تعالى : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ .
ألنْ جانبك، وترفّق مع المؤمنين.
ويراك وأنت تصلّي بين المصلين.
لقد اتهمت قريش النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن الشياطين هي التي توحي إليه القرآن.
أثيم : مجرم كثير الذنوب.
فردّ عليهم أن الشياطين لا تُنَزل على الأنبياء، بل على الكذّابين الآثمين المنحرفين الذين تلقي إليهم الإفكَ والكذب، وهم كاذبون يختلقون من عندهم ما يقولونه لأتباعهم.
ت ٢٢٢
وأنّ الشعراء يتّبعهم الضالون الحائدون عن الطريق القويم.
ألم تَرَ أنهم يجرون وراء خيالهم في ضروب من القول.
ولما وصف الشعراء بهذه الأوصاف الذميمة استثنى منهم المؤمنين المتصفين بالصفات الحميدة من الإيمان، والعمل الصالح، والقول الصادق، وعدمِ هجاءِ الناس واختلاق الأقوال السيئة مثلَ حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وغيرهم رضوان الله عليهم. والى هذا أشار بقوله تعالى : إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ .
روى ابن جرير :« انه لما نزلت هذه الآية جاء حسّان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب ابن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم محزونون وقالوا : قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي قوله تعالى : إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وقال : أنتم. ثم تلا وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً وقال : أنتم. ثم وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وقال : أنتم.... يعني بردّهم على المشركين، ثم قال لهم رسول الله :« انتصِروا ولا تقولوا إلا حقا، ولا تذكروا الآباء والأمهات »
ثم ختم الله السورة بالتهديد العظيم، والوعيد الشديد للكافرين فقال : وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ : سيعلم الظالمون أي مصيرٍ ينتظرهم من الهلاك والشرّ والعذاب.
تم عرض جميع الآيات
218 مقطع من التفسير