تفسير سورة سورة القصص

ابن العربي

أحكام القرآن

ابن العربي (ت 543 هـ)

مقدمة التفسير
سُورَةُ القَصَص
فِيهَا ثَمَان آيَاتٍ
الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي اللَّقِيطِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهَذِهِ اللَّامُ لَامُ الْعَاقِبَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :
وَلِلْمَنَايَا تُرَبِّي كُلُّ مُرْضِعَةٍ وَدُورُنَا لِخَرَابِ الدَّهْرِ نَبْنِيهَا
الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ من الْمُؤْمِنِينَ .

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : فَارِغًا

فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :

الْأَوَّلُ : فَارِغًا من كُلِّ شَيْءٍ، إلَّا من ذِكْرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
الثَّانِي : فَارِغًا من وَحْيِنَا يَعْنِي بِسَبَبِهِ.
الثَّالِثُ : فَارِغًا من الْعَقْلِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ ؛ يُرِيدُ امْتَلَأَ وَلَهًا، يُرْوَى أَنَّهَا لَمَّا رَمَتْهُ فِي الْبَحْرِ جَاءَهَا الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهَا : لَوْ حَبَسْتِهِ فَذُبِحَ فَتَوَلَّيْت دَفْنَهُ، وَعَرَفْت مَوْضِعَهُ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ قَتَلْتِهِ أَنْتِ. وَسَمِعَتْ ذَلِكَ، فَفَرَغَ فُؤَادُهَا مِمَّا كَانَ فِيهِ من الْوَحْيِ، إلَّا أَنَّ اللَّهَ رَبَطَ عَلَى قَلْبِهَا بِالصَّبْرِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ من أَعْظَمِ آيِ الْقُرْآنِ فَصَاحَةً ؛ إذْ فِيهَا أَمْرَانِ وَنَهْيَانِ وَخَبَرَانِ وَبِشَارَتَانِ.
الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ من أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا من شِيعَتِهِ وَهَذَا من عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي من شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي من عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا من عَمَلِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ .

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : فَاسْتَغَاثَهُ
طَلَبَ غَوْثَهُ وَنُصْرَتَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا : فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ؛ وَإِنَّمَا أَغَاثَهُ لِأَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ دَيْنٌ فِي الْمِلَلِ كُلِّهَا، وَفَرْضٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ :( مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ نَصْرُ الْمَظْلُومِ ).
وَفِيهِ أَيْضًا : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ). فَنَصْرُهُ ظَالِمًا كَفُّهُ عَنْ الظُّلْمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ
لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ ؛ وَإِنَّمَا دَفْعَهُ فَكَانَتْ فِيهِ نَفْسُهُ، وَذَلِكَ قَتْلُ خَطَأٍ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ لَا يُؤْمَرُ فِيهِ بِقَتْلٍ وَلَا قِتَالٍ، فَلِذَلِكَ عَدَّهُ ذَنْبًا. وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلِينَ فِي بَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ.
الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً من النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ من دُونِهِمْ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ .

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : مَا خَطْبُكُمَا
إنَّمَا سَأَلَهُمَا شَفَقَةً مِنْهُ عَلَيْهِمَا وَرِقَّةً ؛ وَلَمْ تَكُنْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْ فِي ذَلِكَ الشَّرْعِ حَجَبَةٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ يَعْنِي لِضَعْفِنَا لَا نَسْقِي إلَّا مَا فَضَلَ عَنْ الرِّعَاءِ من الْمَاءِ فِي الْحَوْضِ.
وَقِيلَ : كَانَ الْمَاءُ يَخْرُجُ من الْبِئْرِ، فَإِذَا كَمُلَ سَقْيُ الرِّعَاءِ رَدُّوا عَلَى الْبِئْرِ حَجَرَهَا، فَإِنْ وُجِدَ فِي الْحَوْضِ بَقِيَّةٌ كَانَ ذَلِكَ سَقْيَهُمَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ بَقِيَّةٌ عَطِشَتْ غَنَمُهُمَا ؛ فَرَقَّ لَهُمَا مُوسَى، وَرَفَعَ الْحَجَرَ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ عَشَرَةٌ، وَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ رَدَّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُمَا لِأَبِيهِمَا : يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ وَهِيَ :
الْآيَةُ الْخَامِسَة قَوْله تَعَالَى : فَجَاءَتْهُ إحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ من الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ : يَا بُنَيَّةُ، هَذِهِ قُوَّتُهُ، فَمَا أَمَانَتُهُ ؟ قَالَتْ : إنَّكَ لَمَّا أَرْسَلْتنِي إلَيْهِ قَالَ لِي : كُونِي وَرَائِي لِئَلَّا يَصِفَك الثَّوْبُ من الرِّيحِ، وَأَنَا عِبْرَانِيٌّ، لَا أَنْظُرُ إلَى أَدْبَارِ النِّسَاءِ، وَدُلِّينِي عَلَى الطَّرِيقِ يَمِينًا وَيَسَارًا.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : اسْتَأْجِرْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِجَارَةَ بَيْنَهُمْ وَعِنْدَهُمْ مَشْرُوعَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ فِي كُلِّ مِلَّةٍ، وَهِيَ من ضَرُورَةِ الْخَلِيقَةِ، وَمَصْلَحَةِ الْخُلْطَةِ بَيْنَ النَّاسِ خِلَافًا لِلْأَصَمِّ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ حَيْثُ وَرَدَ فِي مَوَاضِعِهِ.
الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللَّهُ من الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ .
اعْلَمُوا، عَلَّمَكُمْ اللَّهُ الِاجْتِهَادَ، وَحِفْظَ سَبِيلَ الِاعْتِقَادِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ، مَعَ أَنَّ مَالِكًا قَدْ ذَكَرَهَا، وَهَذِهِ غَفْلَةٌ لَا تَلِيقُ بِمَنْصِبِهِ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَآثَارٌ من جِنْسِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِهَا، وَنَحْنُ نَحْلُبُ دَرَّهَا، وَنَنْظِمُ دُرَرَهَا، وَنَشُدُّ مِئْزَرَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَفِيهَا ثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك
فِيهِ عَرْضُ الْمَوْلَى وَلِيَّتَهُ عَلَى الزَّوْجِ ؛ وَهَذِهِ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ : عَرَضَ صَالِحُ مَدْيَنَ ابْنَتَهُ عَلَى صَالِحِ بَنِي إسْرَائِيلَ، وَعَرَضَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَعَرَضَتْ الْمَوْهُوبَةُ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ فَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ حِينَ تَأَيَّمَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ من خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ، وَكَانَ من أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ :" فَلَقِيت عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، فَعَرَضْت عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْت : إنْ شِئْت أَنْكَحْتُك حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ.
فَقَالَ : سَأَنْظُرُ فِي أَمْرِي، فَلَبِثْت لَيَالِيَ، ثُمَّ لَقِيَنِي، فَقَالَ : قَدْ بَدَا لِي أَلَّا أَتَزَوَّجَ يَوْمِي هَذَا. قَالَ عُمَرُ : فَلَقِيت أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، فَقُلْت : إنْ شِئْت أَنْكَحْتُك حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ.
فَصَمَتَ أَبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يُرْجِعْ إلَيَّ شَيْئًا، فَكُنْت عَلَيْهِ أَوْجَدُ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْت لَيَالِيَ، ثُمَّ خَطَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْكَحْتهَا إيَّاهُ، فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : لَعَلَّك وَجَدْت عَلِيَّ حِينَ عَرَضْت عَلَيَّ حَفْصَةَ فَلَمْ أُرْجِعْ إلَيْك شَيْئًا، فَقُلْت : نَعَمْ. فَقَالَ : إنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُرْجِعَ إلَيْك فِيمَا عَرَضْت عَلَيَّ إلَّا أَنِّي كُنْت عَلِمْت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ ذَكَرَهَا، فَلَمْ أَكُنْ لَأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَوْ تَرَكَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَبِلْتهَا ".
وَأَمَّا حَدِيثُ الْمَوْهُوبَةِ فَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ قَالَ : إنِّي لَفِي الْقَوْمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ :( يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ جِئْت أَهَبُ لَك نَفْسِي، فَرَأْيَك. فَنَظَرَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ، ثُمَّ طَأْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ فِيهَا شَيْئًا جَلَسَتْ وَقَالَ رَجُلٌ من أَصْحَابِهِ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا. فَقَالَ : هَلْ عِنْدَك من شَيْءٍ ؟ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ : اذْهَبْ إلَى أَهْلِك فَانْظُرْ لَعَلَّك تَجِدُ شَيْئًا. فَذَهَبَ وَرَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ مَا وَجَدْت شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اُنْظُرْ وَلَوْ خَاتَمًا من حَدِيدٍ.
فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا خَاتَمًا من حَدِيدٍ. وَلَكِنَّ هَذَا إزَارِي قَالَ سَهْلٌ : مَا لَهُ رِدَاءٌ فَلَهَا نِصْفُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَصْنَعُ بِإِزَارِك ؟ إنْ لَبِسَتْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَبِسْته لَمْ يَكُنْ عَلَيْك مِنْهُ شَيْءٌ.
فَجَلَسَ الرَّجُلُ حَتَّى طَالَ مَجْلِسُهُ، ثُمَّ قَامَ فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوَلِّيًا، فَأَمَرَ بِهِ فَدُعِيَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ : مَا مَعَك من الْقُرْآنِ ؟ قَالَ : مَعِي سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، لِسُوَرٍ عَدَّدَهَا. قَالَ : تَقْرَأُهُنَّ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِك ؟ قَالَ : نَعَمْ. قَالَ : اذْهَبْ فَقَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآنِ ).
وَفِي رِوَايَةٍ :( زَوَّجْتُكهَا ). وَفِي أُخْرَى :( أَنْكَحْتُكهَا ). وَفِي رِوَايَةٍ :( أَمْكَنَّاكَهَا ). وَفِي رِوَايَةٍ :( وَلَكِنْ اُشْقُقْ بُرْدَتِي هَذِهِ، أَعْطِهَا النِّصْفَ وَخُذْ النِّصْفَ ).
فَمِنْ الْحُسْنِ عَرْضُ الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ وَالْمَرْأَةِ نَفْسَهَا عَلَى الرَّجُلِ الصَّالِحِ اقْتِدَاءً بِهَذَا السَّلَفِ الصَّالِحِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اسْتَدَلَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ مَوْقُوفٌ عَلَى لَفْظِ التَّزْوِيجِ وَالْإِنْكَاحِ.
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِكُلِّ لَفْظٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَقْتَضِي التَّمْلِيكَ عَلَى التَّأْبِيدِ.
وَلَا حُجَّةَ لِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْآتِيَةِ من وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ حُجَّةً فِي شَيْءٍ، وَنَحْنُ وَإِنْ كُنَّا نَرَاهُ حُجَّةً فَهَذِهِ الْآيَةُ فِيهَا أَنَّ النِّكَاحَ بِلَفْظِ الْإِنْكَاحِ وَقَعَ، وَامْتِنَاعُهُ بِغَيْرِ لَفْظِ النِّكَاحِ لَا يُؤْخَذُ من هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا يَقْتَضِيهِ بِظَاهِرِهَا، وَلَا يُنْظَرُ مِنْهَا ؛ وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ :( قَدْ مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآنِ ).
وَرُوِيَ ( أَمْكَنَّاكَهَا بِمَا مَعَك من الْقُرْآنِ )، وَكُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْبُخَارِيِّ. وَهَذَا نَصٌّ.
وَقَدْ رَامَ الْمُحَقِّقُونَ من أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِأَنْ يَجْعَلُوا انْعِقَادَ النِّكَاحِ بِلَفْظِهِ تَعَبُّدًا، كَانْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِلَفْظِ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَيَأْبَوْنَ مَا بَيْنَ الْعُقُودِ وَالْعِبَادَاتِ. وَقَدْ حَقَّقْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ الْأَمْرَ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ابْتِدَاؤُهُ بِالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ فِي قَوْلِهِ : أُنْكِحُك وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي الْعَقْدِ، الْمُلْتَزِمُ لِلصَّدَاقِ وَالنَّفَقَةِ، الْقَيِّمُ عَلَى الْمَرْأَةِ، وَصَاحِبُ الدَّرَجَةِ عَلَيْهَا فِي حَقِّ النِّكَاحِ. وَأَبْيَنُ من هَذَا قَوْلُهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ : فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا . فَبَدَأَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ زَيْنَبَ ؛ وَهُوَ شَرْعُنَا الَّذِي لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ
هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَرْضٌ لَا عَقْدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَقْدًا لَعَيَّنَ الْمَعْقُودَ عَلَيْهَا لَهُ ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الْبَيْعِ إذَا قَالَ لَهُ : بِعْتُك أَحَدَ عَبْدِي هَذَيْنِ بِثَمَنِ كَذَا فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي النِّكَاحِ ؛ لِأَنَّهُ خِيَارٌ، وَلَا شَيْءَ من الْخِيَارِ يَلْصَقُ بِالنِّكَاحِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ : أَيَّتَهُمَا تُرِيدُ ؟ قَالَ : الصُّغْرَى. ثُمَّ قَالَ مُوسَى : لَا، حَتَّى تُبْرِئَهَا مِمَّا فِي نَفْسِك، يُرِيدُ حِينَ قَالَتْ : إنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْت الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ، فَامْتَلَأَتْ نَفْسُ صَالِحَ مَدْيَنَ غَيْرَةً، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُرَاجَعَةٌ فِي الْقَوْلِ وَمُؤَانَسَةٌ، فَقَالَ : من أَيْنَ عَلِمْتِ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : أَمَّا قُوَّتُهُ فَرَفْعُهُ الْحَجَرَ من فَمِ الْبِئْرِ وَحْدَهُ، وَكَانَ لَا يَرْفَعُهُ إلَّا عَشْرَةُ رِجَالٍ، وَأَمَّا أَمَانَتُهُ فَحِينَ مَشَيْت قَالَ لِي : كُونِي وَرَائِي، كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، فَحِينَئِذٍ سَكَنَتْ نَفْسُهُ، وَتَمَكَّنَ أُنْسُهُ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك هَلْ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ إيجَابًا أَمْ لَا ؟ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الِاسْتِدْعَاءِ، هَلْ يَكُونُ قَبُولًا ؟ كَمَا إذَا قَالَ : بِعْنِي ثَوْبَك هَذَا. فَقَالَ : بِعْتُك، هَلْ يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَمْ لَا ؟ حَتَّى يَقُولَ الْآخَرُ قَبِلْت، عَلَى قَوْلَيْنِ :
فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَنْعَقِدُ، وَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الِاسْتِدْعَاءِ لِحُصُولِ الْغَرَضِ من الرِّضَا بِهِ، عَلَى أَصْلِنَا ؛ فَإِنَّ الرِّضَا بِالْقَلْبِ هُوَ الَّذِي يُعْتَبَرُ كَمَا وَقَعَ اللَّفْظُ، فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ : أُرِيدُ أَنْ تُنْكِحَنِي، أَوْ أُنْكِحَك، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَذَا إيجَابًا حَاصِلًا ؛ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْآخَرُ : نَعَمْ، انْعَقَدَ الْبَيْعُ وَالنِّكَاحُ.
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ ظَاهِرُ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَك فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ : ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَك وَهَذَا انْعِقَادُ عَزْمٍ، وَتَمَامُ قَوْلٍ، وَحُصُولُ مَطْلُوبٍ، وَنُفُوذُ عَقْدٍ.
وَقَدْ قَ
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
الْمَعْنَى لَيْسَ لَك إنْ وَفَّيْت أَحَدَ الْأَجَلَيْنِ أَنْ تَتَعَدَّى عَلَيَّ بِالْمُطَالَبَةِ بِالزَّائِدِ عَلَيْهِ. فَلَوْ قَصَّرَ فِي الْعَامَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي الثَّمَانِي لَكَانَ عَلَيْهِ عُدْوَانٌ، وَهُوَ أَنْ يُعْدِيَ عَلَيْهِ.
وَكَيْفِيَّةُ الْعُدْوَانِ نُبَيِّنُهُ بِأَنْ نَقُولَ : اخْتَلَفَ إذَا اسْتَأْجَرَ عَلَى عَمَلِ حَائِطٍ مَثَلًا يُتِمُّهُ فَلَهُ من الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ مُقَاطَعَةً، فَلَا شَيْءَ لَهُ إلَّا أَنْ يُتِمَّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْعُرْفُ بِالنَّقْدِ فَيَنْقُدَهُ، وَيَلْزَمَهُ تَمَامُهُ. وَأَكْثَرُ بِنَاءِ النَّاسِ عَلَى الْمُقَاطَعَةِ، إذَا سَمَّى لَهُ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ : اسْتَأْجَرْتُك عَلَى بُنْيَانِ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، أَوْ نِصْفًا، أَوْ شَهْرَيْنِ، وَإِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ وَقَالَ : تَبْنِي هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ يَوْمٍ بِدِرْهَمٍ، فَكُلَّمَا بَنَى أَخَذَ، أَوْ تَبْنِي هَذَا الْبَابَ، أَوْ هَذَا الْحَائِطَ، فَهُوَ مِثْلُهُ.
وَكَذَلِكَ كَانَتْ إجَارَةُ مُوسَى مُقَاطَعَةً، فَلَهَا حُكْمُ الْمُقَاطَعَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ يَأْتِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ.
تَحْرِيرُهُ أَنَّ الْعَمَلَ فِي الْإِجَارَةِ إمَّا يَتَقَدَّرُ بِالزَّمَانِ، أَوْ بِصِفَةِ الْعَمَلِ الَّذِي يَضْبِطُ ؛ فَإِنْ كَانَ بِالزَّمَانِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ، لَازِمٌ فِي مُدَّتِهِ. وَإِنْ كَانَ بِالْعَمَلِ فَإِنَّهُ يُضْبَطُ بِصِفَتِهِ، وَيَلْزَمُ الْأَجِيرَ تَمَامُ الْمُدَّةِ، أَوْ تَمَامُ الصِّفَةِ. وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ ذَلِكَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا من الْأُجْرَةِ - إذَا كَانَ هَكَذَا - إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : وَاَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
اكْتَفَى الصَّالِحَانِ بِاَللَّهِ فِي الْإِشْهَادِ، وَلَمْ يُشْهِدَا أَحَدًا من الْخَلْقِ.
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي النِّكَاحِ عَلَى قَوْلَيْنِ.
أَحَدُهُمَا : أَنَّ النِّكَاحَ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مَالِكٌ : إنَّهُ يَنْعَقِدُ دُونَ شُهُودٍ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِعْلَانُ وَالتَّصْرِيحُ.
وَقَدْ مَهَّدْنَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ لِانْعِقَادِهِ الْإِشْهَادُ كَالْبَيْعِ ؛ وَإِنَّمَا شَرَطْنَا الْإِعْلَانَ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الصَّحِيحِ :( فَرْقُ مَا بَيْنَ النِّكَاحِ وَالسِّفَاحِ الدُّفُّ ).
وَرُبَّمَا نَزَعَ نَازِعٌ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ فِي الْبَيْعِ لَازِمٌ وَاجِبٌ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَقَدْ أَخْبَرْنَا أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا الرَّفَّاءُ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيِّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، وَأَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ الْعَبَّاسِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا آدَم، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( إنَّ رَجُلًا من بَنِي إسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إسْرَائِيلَ أَنْ يُسَلِّفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ. قَالَ : أَتَيْتنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ ! قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. قَالَ : أَتَيْتنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا. قَالَ : صَدَقْت. فَدَفَعَهَا إلَيْهِ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، وَالْتَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهُ، لِئَلَّا يَقْدَمَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، وَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا. ثُمَّ جَاءَ بِهَا إلَى الْبَحْرِ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّك تَعْلَمُ أَنِّي تَسَلَّفْت من فُلَانٍ أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ كَفِيلًا، فَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْت لَهُ : كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا. فَرَضِيَ بِذَلِكَ، وَإِنِّي جَهَدْت أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إلَيْهِ بِاَلَّذِي لَهُ، فَلَمْ أَقْدِرْ ؛ وَإِنِّي قَدْ اسْتَوْدَعْتُكَهَا. وَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إلَى بَلَدِهِ. فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، وَأَتَى بِالْأَلْفِ دِينَارٍ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا زِلْت أَجْهَدُ فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَك بِمَالِك، فَمَا وَجَدْت مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْت فِيهِ. قَالَ : هَلْ كُنْت بَعَثْت إلَيَّ بِشَيْءِ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَأَخْبَرْتُك، أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُك فِيهِ. قَالَ : بَلَى، وَاَللَّهِ، قَدْ أَدَّى اللَّهُ عَنْك الَّذِي بَعَثْت بِهِ، فَانْصَرَفَ بِالْأَلْفِ دِينَارٍ رَاشِدًا ).
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ من جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ من النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَذْهَبَ بِأَهْلِهِ حَيْثُ شَاءَ، لِمَا لَهُ عَلَيْهَا من فَضْلِ الْقَوَامِيَّةِ، وَزِيَادَةِ الدَّرَجَةِ، إلَّا أَنْ يَلْتَزِمَ لَهَا أَمْرًا فَالْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ، وَأَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ.
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ طَلَبَ الرُّجُوعَ إلَى أَهْلِهِ، وَحَنَّ إلَى وَطَنِهِ، وَفِي الرُّجُوعِ إلَى الْأَوْطَانِ تُقْتَحَمُ الْأَغْرَارُ، وَتُرْكَبُ الْأَخْطَارُ، وَتُعَلَّلُ الْخَوَاطِرُ، وَيَقُولُ : لَمَّا طَالَتْ الْمُدَّةُ لَعَلَّهُ قَدْ نُسِيَتْ التُّهْمَةُ، وَبَلِيَتْ الْقِصَّةُ.
الْآيَةُ السَّابِعَة : ُ قَوْله تَعَالَى : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ .

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمُرَادِ بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : أَنَّهُمْ قَوْمٌ من الْيَهُودِ أَسْلَمُوا، فَكَانَ الْيَهُودُ يَلْقَوْنَهُمْ بِالسَّبِّ وَالشَّتْمِ، فَيُعْرِضُونَ عَنْهُمْ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ.
الثَّانِي : قَوْمٌ من الْيَهُودِ أَسْلَمُوا، فَكَانُوا إذَا سَمِعُوا مَا غَيَّرَهُ الْيَهُودُ من التَّوْرَاةِ وَبَدَّلُوهُ من نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتِهِ أَعْرَضُوا عَنْهُ، وَذَكَرُوا الْحَقَّ. الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ الْمُسْلِمُونَ إذَا سَمِعُوا الْبَاطِلَ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ.
الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ أُنَاسٌ من أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا يَهُودًا وَلَا نَصَارَى، وَكَانُوا عَلَى دِينِ اللَّهِ، وَكَانُوا يَنْتَظِرُونَ بَعْثَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا سَمِعُوا بِهِ بِمَكَّةَ قَصَدُوهُ، فَعُرِضَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ، فَأَسْلَمُوا ؛ فَكَانَ الْكُفَّارُ من قُرَيْشٍ يَقُولُونَ لَهُمْ : أُفٍّ لَكُمْ من قَوْمٍ اتَّبَعْتُمْ غُلَامًا كَرِهَهُ قَوْمُهُ، وَهُمْ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ
يُرِيدُ لَنَا حَقُّنَا، وَلَكُمْ بَاطِلُكُمْ، سَلَامٌ عَلَيْكُمْ.
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَيْسَ هَذَا بِسَلَامِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ اذْهَبْ بِسَلَامٍ ؛ أَيْ تَارِكْنِي وَأُتَارِكُك.
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ تِبْيَانِ الْحَالِ لِلتَّحِيَّةِ بِالسَّلَامِ، وَاخْتِصَاصِهَا بِالْمُسْلِمِينَ، وَخُرُوجِ الْكُفَّارِ عَنْهَا، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ من قَبْلُ.
الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : وَابْتَغِ فِيمَا آتَاك اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَك من الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ . فِيهَا مَسْأَلَتَانِ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي مَعْنَى النَّصِيبِ :

وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ :

الْأَوَّلُ : لَا تَنْسَ حَظَّك من الدُّنْيَا ؛ أَيْ لَا تَغْفُلْ أَنْ تَعْمَلَ فِي الدُّنْيَا لِلْآخِرَةِ، كَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ :" اُحْرُثْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِك كَأَنَّك تَمُوتُ غَدًا ".
الثَّانِي : أَمْسِكْ مَا يَبْلُغُك، فَذَلِكَ حَظُّ الدُّنْيَا. وَأَنْفِقْ الْفَضْلَ، فَذَلِكَ حَظُّ الْآخِرَةِ.
الثَّالِثُ : لَا تَغْفُلْ شُكْرَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْك.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إلَيْك
ذُكِرَ فِيهِ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ، جِمَاعُهَا اسْتَعْمِلْ نِعَمَ اللَّهِ فِي طَاعَتِه. ِ
وَقَالَ مَالِكٌ : مَعْنَاهَا تَعِيشُ وَتَأْكُلُ وَتَشْرَبُ غَيْرَ مُضَيَّقٍ عَلَيْك فِي رَأْيٍ.
قَالَ الْقَاضِي : أَرَى مَالِكًا أَرَادَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَرَى من الْغَالِينَ فِي الْعِبَادَةِ التَّقَشُّفَ وَالتَّقَصُّفَ وَالْبَأْسَاءَ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْحَلْوَى، وَيَشْرَبُ الْعَسَلَ، وَيَسْتَعْمِلُ الشِّوَاءَ، وَيَشْرَبُ الْمَاءَ الْبَارِدَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَنُ : أُمِرَ أَنْ يَأْخُذَ من مَالِهِ قَدْرَ عَيْشِهِ، وَيُقَدِّمَ مَا سِوَى ذَلِكَ لِآخِرَتِهِ. وَأَبْدَعُ مَا فِيهِ عِنْدِي قَوْلُ قَتَادَةَ : وَلَا تَنْسَ الْحَلَالَ، فَهُوَ نَصِيبُك من الدُّنْيَا، وَيَا مَا أَحْسَنَ هَذَا !
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

11 مقطع من التفسير