تفسير سورة سورة القصص

أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تفسير مقاتل بن سليمان

أبو الحسن مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي البلخى (ت 150 هـ)

نبذة عن الكتاب

أولًا: هذا التفسير هو المعتمد عن مقاتل بن سليمان، وهو الذي وقع فيه الكلام على مقاتل بن سليمان، حيث يكثر نقل قول مقاتل في كتب التفسير الأخرى وهي مأخوذة من هذا الكتاب.
وقصارى الأمر: أن ينسب هذا التفسير إلى مقاتل حتى ولو كان ناقلاً له؛ لأنه ما دام ناقلاً وانتخب فكأنه قد اقتنع بهذا القول وقال به، فلا ينسب إلى غيره، وهذا ما جرى عليه المفسرون بعد ذلك، فيقولون: قال مقاتل في تفسيره، ولا يقولون: روى مقاتل؛ لأنه الرواية فيه قليلة كما ذكرت، فالإنسان إذا انتخب بهذا الأسلوب كأن ما انتخبه يكون من قوله؛ ولهذا يناقشونه على أنه قول مقاتل، وليس على أنه قول فلان، أو غيره ممن سبقهم.
ثانيًا: ذكر طريقته في كتابه هذا، فذكر من سيروي عنهم التفسير، ثم سرد بعد ذلك بدون إسناد، ولا نسبة للأقوال إلى قائلها، فلو نظرت في أول الصفحة فستجد من روي عنه التفسير في هذا الكتاب، من دون ذكر إسناد، وحين دخل في التفسير حذف الإسناد وذكره تفسير الآيات مباشرةً، فلا نستطيع أن نميز قائل هذه الروايات، وهذا مما نقد على مقاتل ، مع أن مقاتلاً تكلم فيه أصلاً، حيث اتهم بالكذب وروايته لا تقبل، ففعله هذا أيضاً زاد طيناً بلة كما يقال.
ثالثًا: نجد أنه يورد أحاديث نبوية، منسوبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسناد في وسط الكتاب.
رابعًا: هذا التفسير يعتبر تفسيرًا كاملًا للقرآن، ليس آيةً آيةً فحسب، بل حرفًا حرفًا، فهو يفسر الآيات حرفًا حرفًا.
خامسًا: هذا التفسير فيه عناية كبيرة جدًا بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك بذكر النظائر القرآنية، وإذا عرفت أن مقاتلاً له كتاب اسمه: وجوه النظائر، فلا يبعد علينا أن نتصور أنه اهتم في تفسيره هذا بالنظائر القرآنية.
سادسًا: فيه عناية بذكر قصص الآي، خصوصاً أخبار بني إسرائيل، وهو يعتبر أحد الذي يعتنون بالرواية عن بني إسرائيل،
سابعًا: له عناية بمبهمات القرآن، يعني: من نزل فيه الخطاب، فيحرص على ذكر من نزل فيه الخطاب، وهذا يسمى مبهمات القرآن، أو يدخل في المراد بالقرآن.
ثامنًا: له عناية بأسباب النزول.
تاسعًا: هذا التفسير لا يستفيد منه المبتدئ، وإنما هو مرجع يستفيد منه المتخصصون في حال الرجوع إلى الرواية ومعرفة القول فقط.ولهذا يقول الإمام أحمد بن حنبل عن هذا التفسير: (ما أحسن هذا التفسير فلو كان له إسناد)، لو كان له إسناد لتبين.
مقدمة التفسير
سورة القصص مكية وفيها من المدني : الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون إلى قوله : سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [ الآيات : ٥٢-٥٥ ].
وفيها آية ليست بمكية ولا مدنية قوله : إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد آية، نزلت بالجحفة أثناء الهجرة.
وعداد آياتها ثمان وثمانون آية كوفية.
الآيات من ١ إلى ٣
﴿ طسۤمۤ ﴾ [آية: ١] ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ يعني القرآن ﴿ ٱلْمُبِينِ ﴾ [آية: ٢] يعني بين ما فيه ﴿ نَتْلُواْ عَلَيْكَ ﴾ يعني نقرأ عليك يا محمد ﴿ مِن نَّبَإِ ﴾ يعنى من حديث ﴿ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ ﴾ اسمه فيطوس ﴿ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [آية: ٣] يعني يصدقون بالقرآن.
ثم أخبر عن فرعون، فقال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ ﴾ يعني تعظم ﴿ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ يعني أرض مصر ﴿ وَجَعَلَ أَهْلَهَا ﴾ يعني من أهل مصر ﴿ شِيَعاً ﴾ يعني أحزاباً ﴿ يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ ﴾ يعني من أهل مصر يستضعف بني إسرائيل ﴿ يُذَبِّحُ ﴾ يعني يقتل ﴿ أَبْنَآءَهُمْ ﴾ يعني أبناء بني إسرائيل ﴿ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾ يقول: ويترك بناتهم فلا يقتلهن، وكان جميع من قتل من بني إسرائيل، ثمانية عشر طفلاً ﴿ إِنَّهُ ﴾ يعني فرعون ﴿ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [آية: ٤] يعني كان يعمل في الأرض بالمعاصي. يقول الله عز وجل: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ ﴾ يقول: نريد أن ننعم ﴿ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا ﴾ يعني بني إسرائيل حين أنجاهم من آل فرعون ﴿ فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ﴾ يعني قادة في الخير، يقتدى بهم في الخير ﴿ وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴾ [آية: ٥] لأرض مصر بعد هلاك فرعون.﴿ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني في أرض مصر ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا ﴾ القبط ﴿ مِنْهُمْ ﴾ يعني من بني إسرائيل ﴿ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ ﴾ [آية: ٦] من مولود بني إسرائيل أن يكون هلاكهم في سببه، وهو موسى صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الكهنة أخبروا فرعون أنه يولد في هذه السنة مولود في بني إسرائيل يكون هلاكك في سببه، فجعل فرعون على نساء بني إسرائيل قوابل من نساء أهل مصر، وأمرهن أن يقتلن كل مولود ذكر يولد من بني إسرائيل مخافة ما بلغه، فلم يزل الله عز وجل بلطفه يصنع لموسى، عليه السلام، حتى نزل بآل فرعون من الهلاك ما كانوا يحذرون، وملك فرعون أربع مائة سنة، وستة وأربعين سنة.
﴿ وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ ﴾ واسمها يوكابد من ولد لاوى بن يعقوب ﴿ أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾ فأمرها جبريل، عليه السلام، بذلك ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ ﴾ القتل وكانت أرضعته ثلاثة أشهر، وكان خوفها أنه كان يبكي من قلة اللبن، فيسمع الجيران بكاء الصبي، فقال: ﴿ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ ﴾ يعني في البحر، وهو بحر النيل، فقالت: رب، إني قد علمت أنك قادر على ما تشاء، ولكن كيف لي أن ينجو صبي صغير من عمق البحر، وبطون الحيتان، فأوحى الله عز وجل إليها أن تجعله في التابوت، ثم تقذفه في اليم، فإني أوكل به ملك يحفظه في اليم، فصنع لها التابوت حزقيل القبطي، ووضعت موسى في التابوت، ثم ألقته في البحر يقول الله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَخَافِي ﴾ عليه الضيعة ﴿ وَلاَ تَحْزَنِيۤ ﴾ عليه القتل ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ [آية: ٧] إلى مصر فصدقت، بذلك ففعل الله عز وجل ذلك، به وبارك الله تعالى على موسى، عليه السلام، وهو في بطن أمه ثلاث مائة وستين بركة.﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ﴾ من البحر من بين الماء والشجر، وهو في التابوت، فمن ثم سمي موسى، بلغة القبط الماء: مو، والشجر: سى، فسموه موسى، ثم قال تعالى ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً ﴾ في الهلاك ﴿ وَحَزَناً ﴾ يعني وغيظاً في قتل الأبكار، فذلك قوله عز وجل:﴿ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ ﴾[الشعراء: ٥٥] لقتلهم أبكارنا، ثم قال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ﴾ [آية: ٨].
﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ ﴾ واسمها آسية بنت مزاحم، عليها السلام: ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ ﴾ فإنا أتينا به من أرض أخرى، وليس من بني إسرائيل.
﴿ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا ﴾ فنصيب منه خيراً ﴿ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ﴾ يقول الله عز وجل: ﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ [آية: ٩] أن هلاكهم في سببه.﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ وذلك أنها رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح شفقة عليه، فذلك قوله عز وجل: ﴿ إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ ﴾ يقول: إن همت لتشعر أهل مصر بموسى، عليه السلام، أنه ولدها ﴿ لَوْلاۤ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا ﴾ بالإيمان ﴿ لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آية: ١٠] يعني من المصدقين بتوحيد الله عز وجل، حين قال لها: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾.
﴿ وَقَالَتْ ﴾ أم موسى ﴿ لأُخْتِهِ ﴾ يعني أخت موسى لأبيه وأمه، واسمها مريم: ﴿ قُصِّيهِ ﴾ يعني قصي أثره في البحر، وهو في التابوت يجري في الماء، حتى تعلمي علمه من يأخذه ﴿ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ ﴾ يعني كأنها مجانبة له بعيداً من أن ترقبه كقوله تعالى:﴿ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ ﴾[النساء: ٣٦] يعني بعيداً منهم من قوم آخرين، وعينها إلى التابوت معرضة بوجهها عنه إلى غيره.
﴿ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ [آية: ١١] أنها ترقبه.﴿ وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ ﴾ أن يصير إلى أمه، وذلك أنه لم يقبل ثدي امرأة ﴿ فَقَالَتْ ﴾ أخته مريم: ﴿ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ ﴾ يعني يضمنون لكم رضاعه.
﴿ وَهُمْ لَهُ ﴾ للولد ﴿ نَاصِحُونَ ﴾ [آية: ١٢] هن أشفق عليه وأنصح له من غيره، فأرسل إليها فجاءت، فلما وجد الصبى ريح أمه قبل ثديها. فذلك قوله عز وجل: ﴿ فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ ﴾ لقوله: ﴿ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ﴾ يعني أهل مصر ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [آية: ١٣] بأن وعد الله عز وجل حق.
﴿ وَلَمَّا بَلَغَ ﴾ موسى ﴿ أَشُدَّهُ ﴾ يعني لثماني عشرة سنة.
﴿ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ يعني أربعين سنة.
﴿ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ يقول: أعطيناه علماً وفهماً.
﴿ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آية: ١٤] يقول: هكذا نجزي من أحسن، يعني من آمن بالله عز وجل، وكان بقرية تدعى خانين على رأس فرسخين، فأتى المدينة فدخلها نصف النهار. فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ ﴾ يعني القرية ﴿ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا ﴾ يعني نصف النهار، وقت القائلة.
﴿ فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ ﴾ كافرين ﴿ يَقْتَتِلاَنِ هَـٰذَا مِن شِيعَتِهِ ﴾ يعني هذا من جنس موسى، من بني إسرائيل ﴿ وَهَـٰذَا ﴾ الآخر ﴿ مِنْ عَدُوِّهِ ﴾ من القبط.
﴿ فَٱسْتَغَاثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى ٱلَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ ﴾ بكفه مرة واحدة.
﴿ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ﴾ الموت، وكان موسى، عليه السلام، شديد البطش، ثم ندم موسى، عليه السلام، فقال: إني لم أومر بالقتل.
﴿ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ ﴾ يعني من تزيين الشيطان ﴿ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ﴾ [آية: ١٥].
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ﴾ يعني أضررت نفسي بقتل النفس.
﴿ فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ [آية: ١٦] بخلقه ﴿ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ ﴾ يقول: إذ أنعمت على بالمغفرة، فلم تعاقبني بالقتل.
﴿ فَلَنْ ﴾ أعود أن ﴿ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ [آية: ١٧] يعني معيناً للكافرين، فيما بعد اليوم، لأن الذي نصره موسى كان كافراً.﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ موسى من الغد ﴿ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ﴾ يعني ينتظر الطلب.
﴿ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسْتَنْصَرَهُ بِٱلأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ﴾ يعني يستغيثه ثانية على رجل آخر كافر من القبط.
﴿ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ ﴾ للذي نصره بالأمس، الإسرائيلى: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ [آية: ١٨] يقول: إنك لمضل مبين قتلت أمس في سببك رجلاً.﴿ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ ﴾ الثانية بالقبطي ﴿ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا ﴾ يعني عدواً لموسى وعدواً للإسرائيلى، ظن الإسرائيلي أن موسى يريد أن يبطش به لقول موسى له: ﴿ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ ﴿ قَالَ ﴾ الإسرائيلى ﴿ يٰمُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ إِن تُرِيدُ ﴾ يعني ما تريد ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً ﴾ يعني قتالاً ﴿ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ مثل سيرة الجبابرة القتل في غير حق ﴿ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [آية: ١٩] يعني من المطيعين لله عز وجل في الأرض، ولم يكن أهل مصر علموا بالقاتل، حتى أفشى الإسرائيلي على موسى، فلما سمع القبطي بذلك انطلق، فأخبرهم أن موسى هو القاتل، فائتمروا بينهم بقتل موسى.
﴿ وَجَآءَ رَجُلٌ ﴾ فجاء حزقيل بن صابوث القبطي، وهو المؤمن ﴿ مِّنْ أَقْصَا ٱلْمَدِينَةِ ﴾ يعني أقصى القرية ﴿ يَسْعَىٰ ﴾ على رجليه، فـ ﴿ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ ﴾ من أهل مصر ﴿ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ ﴾ بقتلك القبطي.
﴿ فَٱخْرُجْ ﴾ من القرية ﴿ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [آية: ٢٠].
﴿ فَخَرَجَ ﴾ موسى، عليه السلام.
﴿ مِنْهَا ﴾ من القرية ﴿ خَآئِفاً ﴾ أن يقتل ﴿ يَتَرَقَّبُ ﴾ يعني ينتظر الطلب، وهو هارب منهم ﴿ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [آية: ٢١] يعني المشركين، أهل مصر، فاستجاب الله عز وجل له، فأتاه جبريل، عليه السلام، فأمره أن يسير تلقاء مدين، وأعطاه العصا، فسار من مصر إلى مدين في عشرة أيام بغير دليل. فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ ﴾ بغير دليل خشى أن يضل الطريق ﴿ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ [آية: ٢٢] يعني يرشدني قصد الطريق إلى مدين فبلغ مدين. فذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ ﴾ ابن إبراهيم خليل الرحمن لصلبه، عليهم السلام، وكان الماء لمدين فنسب إليه، ثم قال: ﴿ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً ﴾ يقول: وجد موسى على الماء جماعة ﴿ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ أغنامهم.
﴿ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ﴾ يعني حابستين الغنم لتسقي فضل ماء الرعاء، وهما ابنتا شعيب النبي صلى الله عليه وسلم، واسم الكبرى صبورا، واسم الصغرى عبرا، وكانتا توأمتين، فولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار.
﴿ قَالَ ﴾ لهما موسى: ﴿ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ يعني ما أمركما.
﴿ قَالَتَا لاَ نَسْقِي ﴾ الغنم ﴿ حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ﴾ بالغنم راجعة من الماء إلى الرعي، فنسقي فضلتهم ﴿ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾ [آية: ٢٣] لا يستطيع أن يسقي الغنم من الكبر، فقال لهما موسى، عليه السلام: أين الماء؟ فانطلقا به إلى الماء، فإذا الحجر على رأس البئر لا يزيله إلا عصابة من الناس، فرفعه موسى، عليه السلام، وحده بيده، ثم أخذ الدلو، فأدلى دلواً واحداً، فأفرغه في الحوض، ثم دعا بالبركة.﴿ فَسَقَىٰ لَهُمَا ﴾ الغنم، فرويت ﴿ ثُمَّ تَوَلَّىٰ ﴾ يعني انصرف ﴿ إِلَى ٱلظِّلِّ ﴾ ظل شجرة، فجلس تحتها من شدة الحر وهو جائع.
﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾ [آية: ٢٤] يعني إلى الطعام، فرجعت الكبيرة إلى موسى لتدعوه. فذلك قوله عز وجل: ﴿ فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا ﴾ يعني الكبرى ﴿ تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ ﴾ يعني على حياء، وهي التي تزوجها موسى، عليه السلام، فـ ﴿ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ وبين موسى وبين أبيها ثلاثة أميال، فولا الجوع الذي أصابه ما اتبعها، فقام يمشي معها، ثم أمرها أن تمشي خلفه وتدله بصوتها على الطريق كراهية أن ينظر إليها، وهما على غير جادة، يقول: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ ﴾: فلما أتى موسى شعيباً، عليهما السلام.
﴿ وَقَصَّ عَلَيْهِ ﴾ يعني على شعيب ﴿ ٱلْقَصَصَ ﴾ الذي كان من أمره أجمع، أمر القوابل اللائي قتلن أولاد بني إسرائيل، وحين ولد وحين قذف في التابوت في اليم، ثم المراضع بعد التابوت، حتى أخبره بقتل الرجل من القبط.
﴿ قَالَ ﴾ له شعيب: ﴿ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ [آية: ٢٥] يعني المشركين.﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ﴾ وهي الكبرى ﴿ يٰأَبَتِ ٱسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ ٱسْتَأْجَرْتَ ﴾ يقول: إن الذي استأجرت هو ﴿ ٱلْقَوِيُّ ٱلأَمِينُ ﴾ [آية: ٢٦] قال شعيب لابنته: من أين علمت قوته؟ وأمانته؟ قالت: أزال الحجر وحده عن رأس البئر، وكان لا يطيقه إلا رجال، وذكرت أنه أمرها أن تمشي خلفه كراهية أن ينظر إليها. فـ ﴿ قَالَ ﴾ شعيب لموسى، عليهما السلام: ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ ﴾ يعني أن أزواجك إحد ابنتي ﴿ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ﴾ نفسك ﴿ ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً ﴾ يعني عشر سنين.
﴿ فَمِنْ عِندِكَ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ في العشر ﴿ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آية: ٢٧] يعني من الرافقين بك، كقول موسى لأخيه هارون:﴿ ٱخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ ﴾[الأعراف: ١٤٢] يعني وارفق بهم، في سورة الأعراف.﴿ قَالَ ﴾ موسى: ﴿ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا ٱلأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ﴾ ثماني سنين، أو عشر سنين.
﴿ فَلاَ عُدْوَانَ ﴾ يعني فلا سبيل ﴿ عَلَيَّ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [آية: ٢٨] يعني شهيد فيما بيننا، كقوله عز وجل:﴿ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلاً ﴾[النساء: ٨١]، يعني شهيداً، فأتم موسى، عليه السلام، عشر سنين على أن يزوج ابنته الكبرى اسمها صبورا بنت شعيب بن نويب بن مدين بن إبراهيم.
﴿ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ ﴾ السنين العشر.
﴿ وَسَارَ بِأَهْلِهِ ﴾ ليلة الجمعة ﴿ آنَسَ ﴾ يعني رأى ﴿ مِن جَانِبِ ﴾ يعني من ناحية ﴿ ٱلطُّورِ ﴾ يعني الجبل ﴿ نَاراً ﴾ وهو النور بأرض المقدسة، فـ ﴿ قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ﴾ مكانكم ﴿ إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً ﴾ يقول: إن رأيت ناراً ﴿ لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ ﴾ أين الطريق وكان قد تحير ليلاً، فإن لم أجد من يخبرني.
﴿ أَوْ جَذْوَةٍ ﴾ يعني آتيكم بشعلة، وهو عود قد احترق بعضه ﴿ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمْ ﴾ يعني لكى ﴿ تَصْطَلُونَ ﴾ [آية: ٢٩] من البرد، فترك موسى، عليه السلام، امرأته وولده في البرية بين مصر ومدين، ثم استقام فذهب بالرسالة، فأقمت امرأته مكانها ثلاثين سنة في البرية مع ولدها وغنمها، فمر بها راع فعرفها، وهي حزينة تبكى، فانطلق بها إلى أبيها.﴿ فَلَمَّآ أَتَاهَا ﴾ أتى النار ﴿ نُودِيَ ﴾ ليلا ﴿ مِن شَاطِىءِ ﴾ يعني من جانب، يعني من الناحية ﴿ ٱلْوَادِ ٱلأَيْمَنِ ﴾ يعني يمين الجبل ﴿ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ ﴾ والمباركة، لأن الله عز وجل كلم موسى، عليه السلام، في تلك البقعة نودي ﴿ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ ﴾ وهي عوسجة، وكان حول العوسجة شجر الزيتون، فنودي ﴿ أَن يٰمُوسَىٰ ﴾ في التقديم ﴿ إِنِّيۤ أَنَا ٱللَّهُ ﴾ الذي ناديتك ﴿ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ [آية: ٣٠] هذا كلامه عز وجل لموسى، عليه السلام.﴿ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ وهي ورق الآس أس الجنة من يدك ﴿ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ ﴾ تحرك ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ يقول: كأنها حية لم تزل. قال الهذيل، عن غير مقاتل: ﴿ كَأَنَّهَا جَآنٌّ ﴾ يعني شيطان ﴿ وَلَّىٰ مُدْبِراً ﴾ من الرهب من الحية، يعني من الخوف، فيها تقديم ﴿ وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾ يعني ولم يرجع، قال سبحانه: ﴿ يٰمُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ ﴾ من الحية ﴿ إِنَّكَ مِنَ ٱلآمِنِينَ ﴾ [آية: ٣١] من الحية.﴿ ٱسْلُكْ ﴾ يعني ادخل ﴿ يَدَكَ ﴾ اليمنى ﴿ فِي جَيْبِكَ ﴾ فجعلها في جيبه من قبل الصدر، وهي مدرعة من صوف مضربة ﴿ تَخْرُجْ ﴾ يدك من الجيب ﴿ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾ يعني من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس، يغشى البصر ﴿ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ ﴾ يعني عضدك من يدك ﴿ مِنَ ٱلرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ ﴾ يعني آيتين من ربك يعني اليد والعصا ﴿ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلإَِيْهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾ [آية: ٣٢]، يعني عاصين.
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ ﴾ [آية: ٣٣] ﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً ﴾ يعني عوناً لكي ﴿ يُصَدِّقُنِي ﴾ وهارون يومئذ بمصر لكي يصدقنى فرعون ﴿ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ ﴾ [آية: ٣٤].
﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ﴾ يعني ظهرك بأخيك هارون ﴿ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً ﴾ يعني حجة بآياتنا، يعني اليد والعصا، فيها تقديم ﴿ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ بقتل، يعني فرعون وقومه لقولهما في طه: ﴿ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ ﴾ بالقاتل ﴿ أَوْ أَن يَطْغَىٰ ﴾، فذلك قوله سبحانه: ﴿ فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ﴾ ﴿ بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَالِبُونَ ﴾ [آية: ٣٥].
﴿ فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا ﴾ اليد والعصا ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ يعني واضحات التي في طه والشعراء.
﴿ قَالُواْ مَا هَـٰذَآ ﴾ الذي جئت به يا موسى.
﴿ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى ﴾ افتريته يا موسى، أنت تقولته وهارون ﴿ وَ ﴾ قالوا: ﴿ وَمَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِيۤ آبَآئِنَا ٱلأَوَّلِينَ ﴾ [آية: ٣٦] يعني اليد والعصا.﴿ وَ ﴾ لما كذبوه بما جاء به ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيۤ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ مِنْ عِندِهِ ﴾ فإنى جئت بالهدى من عند الله عز وجل.
﴿ وَ ﴾ هو أعلم بـ ﴿ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ ﴾ يعني دار الجنة ألنا أو لكم؟ ثم قال: ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ [آية: ٣٧] في الآخرة لا يفوز المشركون، يعني لا يسعدون.
﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يٰأَيُّهَا ٱلْملأُ ﴾ يعني الأشراف من قومه ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ﴾ هذا القول من فرعون كفر ﴿ فَأَوْقِدْ لِي يٰهَامَانُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً ﴾ يقول: أوقد النار على الطين حتى يصير اللبن أجراً، وكان فرعون أول من طبخ الأجر وبناه.
﴿ فَٱجْعَل لِّي صَرْحاً ﴾ يعني قصراً طويلاً.
﴿ لَّعَلِّيۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ ﴾ فبنى، وكان ملاطة خبث القوارير، فكان الرجل لا يستطيع القيام عليه مخافة أن تنسفه الريح، ثم قال فرعون: فاطلع إلى إله موسى ﴿ وَإِنِّي لأَظُنُّهُ ﴾ يقول: إني لأحسب موسى ﴿ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ ﴾ [آية: ٣٨] بما يقول: إن في السماء إلهاً.﴿ وَٱسْتَكْبَرَ ﴾ فرعون ﴿ هُوَ وَجُنُودُهُ ﴾ عن الإيمان ﴿ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ يعني بالمعاصي ﴿ وَظَنُّوۤاْ ﴾ يقول: وحسبوا ﴿ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ ﴾ [آية: ٣٩] أحياء بعد الموت في الآخرة. يقول الله عز وجل: ﴿ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ﴾ يعني فقذفناهم في نهر النيل الذي بمصر ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾ [آية: ٤٠] يعني المشركين، أهل مصر كان عاقبتهم الغرق.
﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً ﴾ يعني قادة في الشرك ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ يعني يدعون إلى الشرك، وجعل فرعون والملأ قادة الشرك، وأتبعناهم أهل مصر ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ ﴾ [آية: ٤١] يعني لا يمنعون من العذاب ﴿ وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ﴾ يعني الغرق ﴿ وَيَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ في النار ﴿ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ ﴾ [آية: ٤٢].
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ﴾ بالعذاب في الدنيا ﴿ ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ ﴾ يعني نوحاً، وعاداً، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، وغيرهم كانوا قبل موسى، ثم قال عز وجل: ﴿ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ ﴾ يقول: في هلاك الأمم الحالية بصيرة لبني إسرائيل ﴿ وَهُدًى ﴾ يعني التوراة هدى من الضلالة لمن عمل بها.
﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لم آمن بها من العذاب ﴿ لَّعَلَّهُمْ ﴾ يعني لكي ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [آية: ٤٣] فيؤمنوا بتوحيد الله، عز وجل.﴿ وَمَا كُنتَ ﴾ يا محمد ﴿ بِجَانِبِ ﴾ يعني بناحية، كقوله عز وجل﴿ جَانِبَ ٱلْبَرِّ ﴾[الإسراء: ٦٨] يعني ناحية البر ﴿ ٱلْغَرْبِيِّ ﴾ بالأرض المقدسة، والغربى، يعني غربي الجبل حيث تغرب الشمس ﴿ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ ﴾ يقول: إذا عهدنا إلى موسى الرسالة إلى فرعون وقومه.
﴿ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آية: ٤٤] لذلك الأمر.﴿ وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً ﴾ يعني خلفنا قروناً.
﴿ فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ ٱلْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً ﴾ يعني شاهداً ﴿ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ يعني تشهد مدين، فتقرأ على أهل مكة أمرهم ﴿ وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴾ [آية: ٤٥] يعني أرسلناك إلى أهل مكة لتخبرهم بأمر مدين.﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ ﴾ يعني بناحية من الجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى، عليه السلام.
﴿ إِذْ نَادَيْنَا ﴾ يعني إذا كلمنا موسى، وآتيناه التوراة ﴿ وَلَـٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ يقول: ولكن القرآن رحمة، يعني نعمة من ربك النبوة اختصصت بها، إذ أوحينا إليك أمرهم لتعرف كفار نبوتك، فذلك قوله: ﴿ لِتُنذِرَ قَوْماً ﴾ يعني أهل مكة بالقرآن ﴿ مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ ﴾ يعني رسولاً ﴿ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ ﴾ يعني لكي ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [آية: ٤٦] فيؤمنوا.﴿ وَلَوْلاۤ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ ﴾ يعني العذاب في الدنيا ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ من المعاصي، يعني كفار مكة ﴿ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلاۤ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ﴾ يعني القرآن ﴿ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آية: ٤٧] يعني المصدقين، فيها تقديم، يقول: لولا أن يقولوا: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتبع آياتك، ونكون من المؤمنين لأصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم.﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ ﴾ يعني القرآن ﴿ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلاۤ ﴾ يعني هلا ﴿ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ ﴾ يعني أعطي محمد صلى الله عليه وسلم القرآن جملة مكتوبة كما أعطي موسى التوراة ﴿ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ قرآن محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا ﴾ يعنون التوراة والقرآن، ومن قرأ " ساحران " يعني موسى ومحمداً، صلى الله عليهما، " تظاهرا "، يعني تعاونا على الضلالة، يقول: صدق كل واحد منهما الآخر.
﴿ وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ ﴾ [آية: ٤٨] يعني بالتوراة وبالقرآن لا نؤمن بهما.
يقول الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ ﴾ لكفار مكة ﴿ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ ﴾ لأهله ﴿ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آية: ٤٩] بأنهما ساحران تظاهرا ﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ ﴾ فإن لم يفعلوا: أن يأتوا بمثل التوراة والقرآن ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ بغير علم ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾ يقول: فلا أحد أضل ﴿ مِمَّنْ ٱتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ ﴾ [آية: ٥٠] إلى دينه عز وجل.﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ﴾ يقول: ولقد بينا لكفار مكة ما في القرآن من الأمم الخالية، كيف عذبوا بتكذيبهم رسلهم.
﴿ لَعَلَّهُمْ ﴾ يعني لكي ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [آية: ٥١] فيخافون فيؤمنوا.﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ يعني أعطيناهم الإنجيل ﴿ مِن قَبْلِه ﴾ يعني القرآن ﴿ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [آية: ٥٢] يعني هم بالقرآن مصدقون بأنه من الله عز وجل نزلت في مسلمي أهل الإنجيل، وهم أربعون رجلاً من أهل الإنجيل، أقبلوا من الشام بحيرى، وأبرهة، والأشرف، ودريد، وتمام، وأيمن، وإدريس، ونافع. فنعتهم الله عز وجل، فقال سبحانه: ﴿ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ آياتنا، يقول: وإذا قرئ عليهم القرآن ﴿ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ ﴾ يعني صدقنا بالقرآن ﴿ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ﴾ [آية: ٥٣] يقول: إنا كنا من قبل هذا القرآن مخلصين لله عز وجل بالتوحيد. يقول الله عز وجل: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ أجراً بتمسكهم بالإسلام حين أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فآمنوا به، وأجرهم بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم، فلما اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم شتمهم كفار قومهم في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، فصفحوا عنهم وردوا معروفاً، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَيَدْرَؤُونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ ﴾ ما سمعوا من قومهم من الأذى ﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ من الأموال ﴿ يُنفِقُونَ ﴾ [آية: ٥٤] في طاعة الله عز وجل.﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ ﴾ من قومهم، يعني من الشر والشتم والأذى.
﴿ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾ يعني عن اللغو، فلم يردوا عليهم مثل ما قيل لهم.
﴿ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ﴾ يعني لنا ديننا ولكم دينكم، وذلك حين عيروهم بترك دينهم، وقالوا لكفار قومهم: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ ﴾ يقول: ردوا عليهم معروفاً ﴿ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ [آية: ٥٥] يعني لا نريد أن تكون مع أهل الجهل والسفه.
﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ وذلك" أن أبا طالب بن عبد المطلب، قال: يا معشر بني هاشم، أطيعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وصدقوه تفلحوا وترشدوا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عم، تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك "، قال: فما تريد يا ابن أخي؟ قال: " أريد منك كلمة واحدة، فإنك في آخر يوم من الدنيا، أن تقول: لا إله إلا الله، أشهد لك بها عند الله " عز وجل، قال: يا ابن أخي، قد علمت أنك صادق، ولكني أكره أن يقال: جزع عند الموت، ولولا أن يكون عليك، وعلى بني أبيك غضاضة وسبة لقلتها، ولأقررت بعينك عند الفراق لما أرى من شدة وجدك ونصيحتك، ولكن سوف أموت على ملة أشياخ عبد المطلب، وهاشم وعبد مناف "، فأنزل الله عز وجل: ﴿ إِنَّكَ ﴾ يا محمد ﴿ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾ إلى الإسلام ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ ﴾ [آية: ٥٦] يقول: وهو أعلم بمن قدر له الهدى.﴿ وَقَالُوۤاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ﴾ نزلت فى الحارث بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وذلك أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا يمنعنا أن نتبع الهدى معك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا، يعني مكة، فإنما نحن أكلة رأس العرب، ولا طاقة لنا بهم، يقول الله تعالى: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ﴾ يحمل إلى الحرم ﴿ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ يعني بكل شيء من ألوان الثمار ﴿ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ﴾ يعني من عندنا ﴿ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ﴾ يعني أهل مكة ﴿ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [آية: ٥٧] يقول: هم يأكلون رزقى ويعبدون غيري، وهم آمنون في الحرم من القتل والسبي، فكيف يخافون لو أسلموا أن لا يكون ذلك لهم، نجعل لهم الحرم آمنا في الشرك ونخوفهم في الإسلام؟ فإنا لا نفعل ذلك بهم لو أسلموا. ثم خوفهم عز وجل، فقال سبحانه: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ﴾ يقول: بطروا وأشروا يتقلبون في رزق الله عز وجل، فلم يشكروا الله تعالى في نعمه فأهلكهم بالعذاب ﴿ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ ﴾ يعني من بعد هلاك أهلها ﴿ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ من المساكن فقد يسكن في بعضها ﴿ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ ﴾ [آية: ٥٨] لما خلفوا من بعد هلاكهم يخوف كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية حين قالوا: نتخوف أن نتخطف من مكة. ثم قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ ﴾ يعني معذب أهل القرى الخالية ﴿ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِيۤ أُمِّهَا رَسُولاً ﴾ يعني في أكبر تلك القرى رسولاً، وهي مكة ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ﴾ يقول: يخبرهم الرسول بالعذاب بأنه نازل بهم في الدنيا إن لم يؤمنوا ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ ﴾ يعني معذبي أهل القرى في الدنيا ﴿ إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ [آية: ٥٩] يقول: إلا وهم مذنبون، يقول: لم نعذب على غير ذنب.
﴿ وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ ﴾ يقول: وما أعطيتم من خير، يعني به كفار مكة ﴿ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا ﴾ يقول: تمتعون في أيام حياتكم، فمتاع الحياة الدنيا وزينتها إلى فناء ﴿ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ ﴾ من الثواب ﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ﴾ يعني أفضل وأدوم لأهله مما أعطيتم في الدنيا ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [آية: ٦٠] أن الباقي خير من الفاني الذاهب.﴿ أَفَمَن وَعَدْنَاهُ ﴾ يعني أفمن وعده الله عز وجل، يعني النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا ﴿ وَعْداً حَسَناً ﴾ يعني الجنة ﴿ فَهُوَ لاَقِيهِ ﴾ فهو معاينه يقول: مصيبة ﴿ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بالمال ﴿ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ [آية: ٦١] النار، يعني أبا جهل بن هشام، لعنه الله، ليسا بسواء، نظيرها في الأنعام.﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾ يعني كفار مكة ﴿ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [آية: ٦٢] في الدنيا أن معي شريكاً ﴿ قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ ﴾ يعني وجب عليهم كلمة العذاب وهم الشياطين، حق عليهم القول يوم قال الله تعالى وذكره، لإبليس:﴿ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾[الأعراف: ١٨]، فقالت الشياطين في الآخرة: ﴿ رَبَّنَا هَـٰؤُلاۤءِ ٱلَّذِينَ أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا ﴾ يعنون كفار بني آدم، يعني هؤلاء الذين أضللناهم كما ضللنا ﴿ تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ ﴾ منهم يا رب ﴿ مَا كَانُوۤاْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ ﴾ [آية: ٦٣] فتبرأت الشياطين ممن كان يعبدها.﴿ وَقِيلَ ﴾ لكفار بني آدم ﴿ ٱدْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ ﴾ يقول سلوا الآلهة: أهم الآلهة؟ ﴿ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ ﴾ يقول: سألوهم فلم تجبهم الآلهة، نظيرها في الكهف. يقول الله تعالى: ﴿ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ ﴾ [آية: ٦٤] من الضلالة يقول: لوأنهم كانوا مهتدين في الدنيا ما رأوا العذاب في الآخرة.﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾ يقول: ويوم يسألهم، يعني كفار مكة يسألهم الله عز وجل: ﴿ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [آية: ٦٥] في التوحيد ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ ﴾ يعني الحجج ﴿ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ [آية: ٦٦] يعني لا يسأل بعضهم بعضاً عن الحجج، لأن الله تعالى ادحض حجتهم، وأكل ألسنتهم، فذلك قوله تعالى: ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ ٱلأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ ﴾ ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ ﴾ من الشرك ﴿ وَآمَنَ ﴾ يعني وصدق بتوحيد الله عز وجل: ﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً فَعَسَىٰ ﴾ والعسى من الله عز وجل واجب ﴿ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴾ [آية: ٦٧].
﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ﴾ وذلك أن الوليد قال في " حم " الزخرف:﴿ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾[الزخرف: ٣١] يعني نفسه، وأبا مسعود الثقفي، فذلك قوله سبحانه: ﴿ وَيَخْتَار ﴾ أي للرسالة والنبوة من يشاء، فشاء جل جلاله، لأن يجعلها في النبي صلى الله عليه وسلم، وليست النبوة والرسالة بأيديهم، ولكنها بيد الله عز وجل، ثم قال سبحانه: ﴿ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ﴾ من أمرهم، ثم نزه نفسه تبارك وتعالى عن قول الوليد حين قال:﴿ أَجَعَلَ ﴾محمد صلى الله عليه وسلم﴿ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾[ص: ٥]، فكفر بتوحيد الله عز وجل، فأنزل الله سبحانه ينزه نفسه عز وجل عن شركهم، فقال: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ ﴾ يعني وارتفع ﴿ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [آية: ٦٨] به غيره عز وجل. ثم قال عز وجل: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ ﴾ يعني ما تسر قلوبهم ﴿ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [آية: ٦٩] بألسنتهم، نظيرها في النمل، ثم وحد الرب نفسه تبارك وتعالى حين لم يوحده كفار مكة، الوليد وأصحابه. فقال سبحانه: ﴿ وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ ﴾ يعني يحمده أولياؤه في الدنيا ويحمدونه في الآخرة، يعني أهل الجنة ﴿ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [آية: ٧٠] بعد الموت في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
﴿ قُلْ ﴾ يا محمد، لكفار مكة: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ ﴾ فدامت ظلمته ﴿ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ ﴾ يعني بضوء النهار.
﴿ أَفَلاَ ﴾ يعني أفهلا ﴿ تَسْمَعُونَ ﴾ [آية: ٧١] المواعظ، و ﴿ قُلْ ﴾ لهم ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ﴾ من النصب ﴿ أَفلاَ ﴾ يعني أفهلا ﴿ تُبْصِرُونَ ﴾ [آية: ٧٢].
ثم أخبر عن صنعه تعالى ذكره، فقال سبحانه: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا ﴾ يعني لتستقروا ﴿ فِيهِ ﴾ بالليل من النصب ﴿ وَلِتَبتَغُواْ ﴾ بالنهار ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني الرزق ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [آية: ٧٣] ربكم في نعمه، فتوحدوه عز وجل.﴿ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ ﴾ يعني يسألهم ﴿ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [آية: ٧٤] في الدنيا ﴿ وَنَزَعْنَا ﴾ يقول: وأخرجنا ﴿ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾ يعني رسولها ونبيها يشهد عليها بالبلاغ والرسالة ﴿ فَقُلْنَا ﴾ لهم يعني للكفار: ﴿ هَاتُواْ ﴾ هلموا ﴿ بُرْهَانَكُمْ ﴾ يعني حجتكم بأن معي شريكاً، فلم يكن لهم حجة.
﴿ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ﴾ يعني التوحيد لله عز وجل.
﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ ﴾ في الآخرة ﴿ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ﴾ [آية: ٧٥] في الدنيا بأن مع الله سبحانه شريكاً.
﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ ﴾ يعني من بني إسرائيل، وكان ابن عمه، قارون بن أصهر بن قوهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن قوهث ﴿ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ﴾ يقول: بغى قارون على بني إسرائيل من أجل كنزه ما له ﴿ وَآتَيْنَاهُ ﴾ يعني وأعطيناه ﴿ مِنَ ٱلْكُنُوزِ ﴾ يعني من الأموال ﴿ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ ﴾ يعني خزائنه ﴿ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾ والعصبة من عشرة أنفار إلى أربعين، فإذا كانوا أربعين فهم أولو قوة يقول: لتعجز العصبة أولي القوة عن حمل الخزائن ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴾ بنو إسرائيل: ﴿ لاَ تَفْرَحْ ﴾ يقول: لا تمرح ولا تبطر ولا تفخر بما أوتيت من الأموال.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [آية: ٧٦] يعني المرحين البطرين.﴿ وَ ﴾ قالوا له: ﴿ وَٱبْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ ٱللَّهُ ﴾ يعني فيما أعطاك الله عز وجل من الأموال والخير.
﴿ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ ﴾ يعني دار الجنة ﴿ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ ﴾ يعني ولا تترك حظك ﴿ مِنَ ٱلدُّنْيَا ﴾ أن تعمل فيها لآخرتك.
﴿ وَأَحْسِن ﴾ العطية في الصدقة والخير فيما يرضى الله عز وجل: ﴿ كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ ﴾ بإحسان الله إليك ﴿ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ﴾ يقول: لا تعمل فيها بالمعاصي.
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [آية: ٧٧].
فرد قارون على قومه حين أمروه أن يطيع الله عز وجل في ماله، وفيما أمره أن يطيع الله عز وجل في ماله، وفيما أمره، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ ﴾ يعني إنما أعطيته، يعني المال ﴿ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ﴾ يقول: على خير علمه الله عز وجل عندي، يقول الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ قارون ﴿ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ ﴾ بالعذاب ﴿ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ ﴾ حين كذبوا رسلهم ﴿ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ ﴾ من قارون ﴿ قُوَّةً ﴾ وبطشاً ﴿ وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ من الأموال، منهم نمروذ الجبار وغيره، ثم قال عز وجل: ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ [آية: ٧٨] يقول: ولا يسأل مجرمو هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية الذين عذبوا في الدنيا، فإن الله عز وجل قد أحصى أعمالهم الخبيثة وعلمها.﴿ فَخَرَجَ ﴾ قارون ﴿ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾ قومه بني إسرائيل، الزينة، يعني الشارة الحسنة خرج على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان، ومعه آلاف فارس على الخيل عليهم وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلاث مائة جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهب، فلما نظر المؤمنون إلى تلك الزينة والجمال.
﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا ﴾ وهم أهل التوحيد ﴿ يٰلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ ﴾ يعني مثل ما أعطي ﴿ قَارُونُ ﴾ من الأموال.
﴿ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [آية: ٧٩] يقول: إنه لذو نصيب وافر في الدنيا.
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ بما وعد الله في الآخرة للذين تمنوا مثل مما أعطي قارون ﴿ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ ﴾ يعني لمن صدق بتوحيد الله عز وجل.
﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾ خير مما أوتي قارون في الدنيا.
﴿ وَلاَ يُلَقَّاهَآ ﴾ يعني الأعمال الصالحة، يعني ولا يؤتاها ﴿ إِلاَّ ٱلصَّابِرُونَ ﴾ [آية: ٨٠].
﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ ﴾ يعني بقارون، وذلك أن الله عز وجل أمر الأرض أن تطيع موسى، عليه السلام، فأمر موسى الأرض أن تأخذ قارون، فأخذته إلى قدميه، فدعا قارون موسى وذكره الرحم، فأمرها موسى، عليه السلام، أن تبتلعه، فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة، فقالت بنو إسرائيل: إن موسى إنما أهلك قارون حتى يأخذ ماله وداره، فخسف الله عز وجل بعد قارون بثلاثة أيام، بداره وماله الصامت، فانقطع الكلام، فذلك قوله عز وجل: ﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ ﴾ يعني بقارون ﴿ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يقول الله عز وجل: لم يكن لقارون جند يمنعونه من الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [آية: ٨١] يقول: وما كان قارون من الممتنعين مما نزل به من الخسف.﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ ﴾ بعد ما خسف به ﴿ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ ﴾ يعني لكن الله ﴿ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ﴾ يعني يوسف الرزق على من يشاء، ويقتر على من يشاء، وقالوا: ﴿ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ﴾ يعني لولا أن الله عز وجل أنعم علينا بالإيمان ﴿ لَخَسَفَ بِنَا ﴾، ثم قال: ﴿ وَيْكَأَنَّهُ ﴾ يعني ولكنه ﴿ لاَ يُفْلِحُ ﴾ لا يسعد ﴿ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ [آية: ٨٢].
﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ يعني الجنة ﴿ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً ﴾ يعني تعظماً ﴿ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ عن الإيمان بالتوحيد.
﴿ وَلاَ فَسَاداً ﴾ يقول: ولا يريدون فيها عملاً بالمعاصي.
﴿ وَٱلْعَاقِبَةُ ﴾ في الآخرة ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آية: ٨٣] من الشرك في الدنيا.
﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ يعني بكلمة الإخلاص، وهى لا إله إلا الله، وحده لا شريك له.
﴿ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ﴾ في التقديم، يقول: فله منها خير.
﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ ﴾ يعني الشرك يقول: من جاء في الآخرة بالشرك.
﴿ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ﴾ يعني الذين عملوا الشرك ﴿ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [آية: ٨٤] من الشرك، فإن جزاء الشرك النار، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار. حدثنا محمد، قال: حدثنا أبو القاسم، قال: حدثنا الهذيل، عن مقاتل، عن علقمة بن مرثد، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الآية: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ ﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ فقال:" هذه تنجي وهذه تردي "وقال مقاتل: إنه بلغه عن كعب بن عجرة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ﴿ مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ ﴾ فهي لا إله إلا الله.
﴿ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ ﴾ فهي الشرك، فهذه تنجي، وهذه تردي، قوله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ﴾ وذلك" أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من الغار ليلاً، ثم هاجر من وجهه ذلك إلى المدينة، فسار في غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق، فنزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها، وذكر مولده ومولد أبيه، فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال: " أتشتاق إلى بلدك ومولدك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، فقال جبريل: إن الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ﴾ "، يعني إلى مكة ظاهراً عليهم، فنزلت هذه الآية بالجحفة ليست بمكية، ولا مدنية ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَىٰ ﴾ وذلك أن كفار مكة كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنك في ضلال، فأنزل الله تبارك وتعالى في قولهم: ﴿ قُل رَّبِّيۤ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ فأنا الذي جئت بالهدى من عند الله عز وجل.
﴿ وَ ﴾ هو أعلم ﴿ وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ [آية: ٨٥] يقول: أنحن أم أنتم.﴿ وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ ﴾ يا محمد ﴿ أَنْ يُلْقَىٰ إِلَيْكَ الْكِتَابُ ﴾ يعني أن ينزل عليك القرآن يذكر النعم، وقال: ما كان الكتاب ﴿ إِلاَّ رَحْمَةً ﴾ يعني عز وجل نعمة ﴿ مِّن رَّبِّكَ ﴾ اختصصت بها يا محمد، وذلك حين دعي إلى دين آبائه، فأوحى الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال: ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً ﴾ يعني معيناً ﴿ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ [آية: ٨٦] على دينهم.﴿ وَلاَ يَصُدُّنَّكَ ﴾ كفار مكة ﴿ عَنْ آيَاتِ ٱللَّهِ ﴾ يعني عن إيمان بالقرآن ﴿ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَٱدْعُ ﴾ الناس ﴿ إِلَىٰ ﴾ معرفة ﴿ رَبِّكَ ﴾ عز وجل، وهو التوحيد، ثم أوعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم وحذره، فقال سبحانه: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آية: ٨٧] وذلك حين دعي إلى دين آبائه. فحذره الله عز وجل أن يتبع دينهم، فقال سبحانه: ﴿ وَلاَ تَدْعُ ﴾ يقول: ولا تعبد ﴿ مَعَ ٱللَّهِ ﴾ تعالى ﴿ إِلَـٰهاً آخَرَ ﴾ فإنه واحد ليس معه شريك، ثم وحد نفسه جل جلاله، فقال: ﴿ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ يقول سبحانه: كل شيء من الحيوان ميت، ثم استثنى نفسه جل جلاله بأنه تعالى حي دائم لا يموت، فقال جل جلاله: ﴿ إِلاَّ وَجْهَهُ ﴾ يعني إلا هو ﴿ لَهُ ٱلْحُكْمُ ﴾ يعني القضاء ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [آية: ٨٨] أحياء في الآخرة، فيجزيكم عز وجل بأعمالكم.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

17 مقطع من التفسير