ﰡ
وأمَّا الفتحُ فيحتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدها: أَنْ يكونَ بناءً، وأُوْثِر على الأصلِ للخفَّةِ كأينَ وكيفَ. الثاني: أَنْ يكونَ مجروراً بحرف القسمِ المقدَّرِ/ على لغةٍ ضعيفة. وقد تقدَّم ذلك في قراءةِ «فالحقِّ والحقِّ» [ص: ٨٤]. بجرِّ «الحقِّ»، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ، اعتبارٌ بالسورة، والثالث: أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ محذوفٍ، أي: اقرؤوا نونَ، ثم ابتدأ قَسَماً بقولِه «والقلمِ»، أو يكونَ منصوباً بعد حَذْفِ حرفِ القسم كقولِه:
٤٢٩٠ -.........................
ومُنعَ الصَّرْفَ لِما تقدَّم، وهذا أحسنُ لعَطْفِ «والقلمِ» على مَحَلِّه.
قوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ «ما» موصولةٌ اسميةٌ أو حرفية، أي: والذي يَسْطُرونه مِنَ الكُتُب، وهم: الكُتَّابُ أو الحَفَظُة من الملائكة وسَطْرِهم. والضميرُ عائدٌ على مَنْ يُسَطِّرُ لدلالةِ السياقِ عليه. ولذِكْرِ الآلةِ المُكْتَتَبِ بها. وقال الزمخشري: «ويجوزُ أَنْ يُرادَ بالقلمِ أصحابُه، فيكون الضميرُ في» يَسْطُرون «لهم» يعني فيصيرُ كقولِه: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ﴾ [النور: ٤٠] تقديرُه: أو كذي ظُلُماتٍ، فالضميرُ في «يَغْشاه» يعود على «ذي» المحذوف.
واختار الشيخ أنْ يكونَ «بنعمة» قَسَماً مُعْتَرِضاً به بين المحكوم عليه والحُكم على سبيلِ التأكيدِ والتشديدِ والمبالغةِ في انتفاءِ الوصفِ الذمَّيم. وقال ابن عطية: «بنعمةِ ربِّك» اعتراضٌ كما تقول للإِنسان: «أنت بحمد اللَّهِ فاضلٌ» قال: «ولم يُبَيِّنْ ما تتعلَّقُ به الباءُ في» بنعمة «. قلت: والذي تتعلَّق به الباءُ في هذا النحو معنى مضمونِ الجملةِ نفياً وإثباتاً، كأنه قيل: انتفى عنك ذلك بحمد اللَّهِ، والباءُ سببيةٌ، وثَبَتَ لك الفَضْلُ بحمدِ اللَّهِ تعالى، وأمَّا المثالُ الذي ذكرَه فالباءُ تتعلَّق فيه بلفظ» فاضل «. وقد نحا صاحب» المنتخب «إلى هذا فقال:» المعنى: انتفى عنك الجنونُ بنعمةِ ربك. وقيل: معناه: ما أنت بمجنونٍ، والنعمة لربِّك،
٤٢٩١ - وأُفْرِدْتُ في الدنيا بفَقْدِ عشيرتي | وفارقني جارٌ بأَرْبَدَ نافِعُ |
٤٢٩٢ - تَشَبَّبي تَشَبُّبَ النَّميمهْ | تَمشْي بها زَهْراً إلى تميمهْ |
٤٢٩٣ - بعُتُلٍّ مِنْ الرِّجالِ زَنِيمٍ | غيرِ ذي نَجْدةٍ وغيرِ كريمِ |
٤٢٩٤ - زَنيمٌ تَداعاه الرجالُ زيادةً | كما زِيْدَ في عَرْضِ الأديمِ الأكارِعُ |
وقرأ ابنُ ذكوانَ بتسهيلِ الثانيةِ وعدمِ إدخال ألفٍ، وهشامٌ بالتسهيلِ
وقرأ نافع في رواية الزبيدي عنه: «إنْ كان» بكسر الهمزة على الشرط.
فأمَّا قراءةُ «أَنْ كان» بالفتحِ على الخبرِ ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنها «أنْ» المصدريةُ في موضع المفعولِ له مجرورةٌ بلامٍ مقدرة. واللامُ متعلِّقةٌ بفعلِ النهي، أي: ولا تُطِعْ مَنْ هذه صفاتُه؛ لأنْ كان مُتَموِّلاً وصاحبَ بنين. الثاني: أنها متعلقةٌ ب «عُتُلّ»، وإن كان قد وُصِفَ، قاله الفارسي، وهذا لا يجوزُ عند البصريين، وكأن الفارسيَّ اغتفَره في الجارِّ. الثالث: أنْ يتعلَّق ب «زنيم» ولا سيما عند مَنْ يُفَسِّره بقبيح الأفعالِ. الرابع: أَنْ يتعلِّقَ بمحذوف يَدُلُّ عليه ما بعدَه مِنْ الجملةِ الشرطيةِ، تقديره: لكونِه متموِّلاً مُسْتَظْهِراً بالبنين كَذَّب بآياتِنا، قاله الزمخشري، قال: «ولا يَعْمَلُ فيه» قال «الذي هو جوابُ» إذا «لأنَّ ما بعد الشرطِ لا يعملُ فيما قبلَه، ولكن ما دَلَّتْ عليه الجملةُ مِنْ معنى التكذيب». وقال مكي وتبعه أبو البقاء: «لا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ» تُتْلى «لأنَّ
وأمَّا قراءةُ» أَأَنْ كان «على الاستفهام، ففيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يتعلَّقَ بمقدَّر يَدُلُّ عليه ما قبلَه، أي: أَتُطيعه لأَنْ كان أو أتكونُ طواعيةً لأَنْ كان. والثاني: أنْ يتعلَّقَ بمقدَّرٍ عليه ما بعده أي: لأَنْ كان كذا كَذَّبَ وجَحَدَ.
وأمَّا قراءةُ إنْ بالكسر فعلى الشرطِ، وجوابُه مقدرٌ. تقديرُه: إن كان كذا يَكْفُرْ ويَجْحَدْ. دَلَّ عليه ما بعده. وقال الزمخشري: «والشرطُ للمخاطبِ، أي: لا تُطِعْ كلَّ حَلاَّفٍ شارطاً يسارَه، لأنه إذا أطاع الكافرَ لِغِناهُ فكأنه اشترط في الطاعة الغنى، ونحوُ صرفِ الشرطِ للمخاطب صَرْفُ الترجِّي إليه في قولِه: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ [طه: ٤٤]. وجَعَله الشيخُ مِنْ دخولِ شرطٍ على شرطٍ، يعني إنْ وإذا؛ إلاَّ أنه قال:» ليسا من الشروط المترتبةِ الوقوع، وجعله نظيرَ قولِ ابنِ دريدٍ:
٤٢٩٥ - وأنتَ زَنيمٌ نِيْطَ في آل هاشمٍ | كما نِيْطَ خلفَ الرَّاكبِ القَدَحُ الفَرْدُ |
وقرأ الحسن بالاستفهام وهو استفهامُ تَقْريعٍ وتوبيخٍ على قولِه:» القرآنُ أساطيرُ الأوَّلين لَمَّا تُلِيَتْ عليه آياتُ الله.
٤٢٩٦ - فإنْ عَثَرْتُ بعدَها إنْ وَأَلَتْ | نفسيَ مِنْ هاتا فقولا لا لَعا |
٤٢٩٧ - لَمَّا وَضَعْتُ على الفرزدقِ مِيْسَمي | وعلى البَعيثِ جَدَعْتُ أَنْفَ الأخطلِ |
٤٢٩٨ - قد أَشْهَدُ الشَّرْبَ، فيهم مُزْهِرٌ زَئِمٌ | والقومُ تصرَعُهمْ صَهْباءُ خُرْطومُ |
٤٢٩٩ - تَظَلُّ يومَك في لهو وفي لَعِبٍ | وأنتَ بالليل شَرَّابُ الخَراطيمِ |
٤٣٠٠ - أفاطمُ مَهْلاً بعضَ هذا التدلُّلِ | وإن كُنْتِ قد أَزْمَعْتِ صَرْمي فأَجْملي |
٤٣٠١ - وبالصَّرِيْمَةِ منهم مَنْزِلٌ خَلِقٌ | عافٍ تَغَيَّرِ إلاَّ النؤيُ والوَتِدُ |
أفاطمُ مَهْلاً بعضَ هذا التدلُّلِ | وإن كُنْتِ قد أَزْمَعْتِ صَرْمي فأَجْملي |
وبالصَّرِيْمَةِ منهم مَنْزِلٌ خَلِقٌ | عافٍ تَغَيَّرِ إلاَّ النؤيُ والوَتِدُ |
٤٣٠٢ - وقد أَغْدُو على ثُبَةٍ كِرامٍ | نَشاوى واجِدين لِما نشاءُ |
٤٣٠٣ - بَكَرْتُ عليه غُدْوَةً فَرَأَيْتُه | قُعُوداً لديهِ بالصَّريمِ عَواذِلُهْ |
٤٣٠٤ - أُسُوْدُ شَرىً لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ | تَساقَوْا على حَرْدٍ دماءَ الأساوِدِ |
٤٣٠٥ - إذا جِيادُ الخيل جاءتَ تَرْدي | مملوءَةً مِنْ غَضَبٍ وحَرْد |
٤٣٠٦ -..................... | وأَلْفى قولَها كَذِباً ومَيْنا |
٤٣٠٧ -.........................
وقد فُسِّرت الآيةُ الكريمةُ بجميعِ ما ذَكَرَتْ. وقيل: الحَرْدُ اسمُ جنَّتِهم بعينِها، قاله السُّدي. وقيل: اسم قَرْيتِهم، قاله الأزهري. وفيهما بُعْدٌ بعيدٌ. و «قادرين» : إمَّا مِنْ القُدْرَةِ، وهو الظاهرُ، وإمَّا مِن التقدير وهو التضييقُ، أي: مُضَيِّقين على المساكينِ. وفي التفسيرِ قصةٌ توضِّحُ ما ذكرْتُ «.
وقرأ زيد بن علي والحسن بنصبِها فقيل: على الحال من «أيمان» لأنها تخصَّصَتْ بالعملِ أو بالوصفِ. وقيل: من الضمير في «علينا» إنْ جَعَلْناه صفةً ل «أَيْمان».
وقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ جوابُ القسمِ في قوله: «أَيْمان» لأنها بمعنى أقسام. و «أيُّهم» معلِّقٌ لِسَلْهُمْ و «بذلك» متعلق ب «زعيمٌ»، أي: ضمينٌ وكفيل. وقد تقدَّم أنَّ «سألَ» يُعَلَّقُ لكونِه سبباً في العِلم. وأصلُه أن يتعدَّى ب عن أو بالباء، كقولِه: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [الفرقان: ٥٩] [وقولِه:]
٤٣٠٨ - فإنْ تَسْألوني بالنساء........ | ........................ |
فإنْ تَسْألوني بالنساء. . . . . . . . | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
قوله: ﴿عَن سَاقٍ﴾، أي: تَكْشِفُ عن ساقِها؛ ولذلك قال الزمخشري: «وتكشِفُ بالتاء مبنياً للفاعلِ والمفعولِ جميعاً. والفعلُ
٤٣٠٩ - عَجِبْتُ مِنْ نفسي ومن إشفاقِها | ومِنْ طِرادي الطيرَ عن أَرْزاقِها |
في سَنَةٍ قد كَشَفَتْ عن ساقِها | حمراءَ تَبْرِي اللحمَ عَنْ عُراقها |
٤٣١٠ - أخو الحربِ إنْ عَضَّتْ به الحربُ عَضَّها | وإن شَمَّرَتْ عن ساقِها الحربُ شَمَّرا |
٤٣١١ - كَشَفَتْ لهم عن ساقِها | وبدا من الشَّرِّ الصُّراحُ |
٤٣١٢ - قد شَمَّرَتْ عن ساقِها فَشُدُّوا | وجَدَّت الحربُ بكم فَجُدُّوا |
٤٣١٣ - صبراً أُمامُ إنَّه شرٌّ باقِ | وقامَتِ الحربُ بنا على ساقِ |
وقال ابن قيس الرقياتِ:
٤٣١٤ - تُذْهِلُ الشيخَ عن بنيه وتُبْدي | عن خِدام العَقِليةُ العَذْراءُ |
وقوله: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ حالٌ مِنْ مرفوع «يُدْعَوْن» الثانيةِ.
قوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ جملةٌ حاليةٌ من الضمير في «نادى» والمَكْظومُ: المُمْتَلِىءُ حُزْناً وغَيْظاً. قال ذو الرمة:
٤٣١٥ - وأنتَ مِنْ حُبِّ مَيٍّ مُضْمِرٌ حُزْناً | عاني الفؤادِ قريحُ القلبِ مكظومُ |