هذا إرشاد من الله تعالى للوادات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي ( سنتان ) فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال :﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة ﴾ وذهب أكثر الأئمة، إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم، قال رسول الله ﷺ :« لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام » ومعنى قوله :« إلا ما كان في الثدي » أي في محالّ الرضاعة قبل الحولين لحديث :« إن ابني مات في الثدي وإن له مرضعا في الجنة » وإنما قال عليه السلام ذلك لأن ابنه إبراهيم عليه السلام مات وله سنة وعشرة أشهر، فقال : إن له مرضعاً يعني تكمل رضاعته ويؤيده ما رواه الدارقطني عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :« لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين ».
وقال الطيالسي عن جابر قال : قال رسول الله ﷺ :« لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام »، وتمام الدلالة من هذا الحديث في قوله تعالى :﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشكر لِي ﴾ [ لقمان : ١٤ ] وقال :﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ﴾ [ الأحقاف : ١٥ ] والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين يروى عن عليّ وابن عباس وابن مسعود وهو مذهب الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة : سنتان وستة أشهر. وقد روي عن عمر وعلي أنهما قالا : لا رضاع بعد فصال، فيحتمل أنهما أرادا الحولين كقول الجمهور سواء فطم أو لم يفطم، ويحتمل أنهما أرادا الفعل كقول مالك والله أعلم.
وقد روي في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت ترى رضاع الكبير يؤثر في التحريم، وهو قول عطاء والليث بن سعد، وكانت عائشة تأمر بمن تختار أن يدخل عليها من الرجال لبعض نسائها فترضعه، وتحتج في ذلك بحديث ( سالم مولى أبي حذيفة ) حيث أمر النبي ﷺ امرأة أبي حذيفة أن ترضعه وكان كبيراً، فكان يدخل عليها بتلك الرضاعة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي ﷺ ورأين ذلك من الخصائص، وهو قول الجمهور، وحجة الجمهور ما ثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال :« انظرن من إخوانكُنَّ! فإنما الرضاعة من المجاعة ». وقوله تعالى :﴿ وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف ﴾ أي وعلى والد الطفل، نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى :﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ الله لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا سَيَجْعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾