ولما بين أقل الاجتماع أتبعه ما فوقه فقال :﴿وإن كانوا﴾ أي الوارث ﴿إخوة﴾ أي مختلطين ﴿رجالاً ونساء فللذكر﴾ أي منهم ﴿مثل حظ الأنثيين﴾ وقد أنهى سبحانه ما أراد من بيان إرث الأخوة لأب، فتم بذلك جميع أحوال ما أراد من الإرث، وهو على وجازته كما ترى - يحتمل مجلدات - والله الهادي، ووضع هذه الآية هنا - كما تقدم - إشارة منه إلى أن من أبى توريث النساء والصغار الذي تكرر الاستفتاء عنه فقد استنكف عن عبادته واستكبر وإن آمن بجميع ما عداه من الأحكام، ومن استنكف عن حكم من الأحكام فذاك هو الكافر حقاً، وهذا مراد شياطين أهل الكتاب العارفين بصحة هذه الأحكام، الحاسدين لكم عليها، المريدين لضلالكم عنها لتشاركوهم في الشقاء الذي وقع لهم لما بدلوا الأحكام المشار إليهم بعد ذكر آيات الميراث وما تبعها من أحوال النكاح بقوله :﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾ [ النساء : ٢٦ ] وقوله :﴿ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً﴾ [ النساء : ٢٧ ] ثم المصرح بهم في قوله :﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم﴾ [ النساء : ٤٤ ] ولذلك - والله أعلم - ختم هذه الآية بقوله :﴿يبين الله﴾ أي الذي أحاط بكل شيء قدرة وعلماً ﴿لكم﴾ أي ولم يكلكم في هذا البيان إلى بيان غيره، وقال مرغباً مرهباً :﴿أن﴾ أي كراهة أن ﴿تضلوا والله﴾ أي الذي له الكمال كله ﴿بكل شيء عليم﴾ أي فقد بين لكم بعلمه ما يصلحكم بيانه محياًَ ومماتاً دنيا وأخرى، حتى جعلكم على المحجة البيضاء في مثل ضوء النهار، لا يزيغ عنها منكم إلا هالك، والحاصل أن تأخير هذه الآية إلى هنا لما تقدم من أن تفريق القول فيما تأباه النفوس وإلقاءه شيئاً فشيئاً باللطف والتدريج أدعى لقبوله، وللإشارة إلى شدة الاهتمام بأمر الفرائض بجعل الكلام فيها في جميع السورة أولها وأثنائها وآخرها، والتخويف من أن


الصفحة التالية