ولما كان الاعتبار بأحوال من سلف للنجاة مما حل بهم أهم المهم، اعترض بالحث عليه بين الغاية ومتعلقها، فقال :﴿أفلم يسيروا﴾ أي يوقع السير هؤلاء المكذبون ﴿في الأرض﴾ أي في هذا الجنس الصادق بالقليل والكثير.
ولما كان المراد سير الاعتبار سبب عنه قوله ﴿فينظروا﴾ أي عقب سيرهم وبسببه، ونبه على أن ذلك أمر عظيم ينبغي الاهتمام بالسؤال عنه بذكر أداة الاستفهام فقال ﴿كيف كان عاقبة﴾ أي آخر أمر ﴿الذين﴾ ولما كان الذين يعتبر بحالهم - لما حل بهم من الأمور العظام - في بعض الأزمنة الماضية، وكان المخاطبون بهذا القرآن لا يمكنهم الإحاطة بأهل الأرض وإن كان في حال كل منهم عظه، أتى بالجار فقال :﴿من قبلهم﴾ في الرضى بأهوائهم في تقليد آبائهم، وهذا كما تقدم في سورة يونس من أن الآيات لا تغني عمن ختم على قلبه، والتذكير بأحوال الماضين من هلاك العاصين ونجاة الطائعين، والاعتراض بين ذلك بقوله ﴿قل انتظروا إني معكم من المنتظرين﴾ وهو يدل على أنه تعالى يغضب ممن أعرض عن تدبر آياته ؛ والسير : المرور الممتد في جهة، ومنه أخذ السير، وأخذ السيور من الجلد ؛ والنظر : طلب إدراك المعنى بالعين أو القلب، وأصله مقابلة الشيء بالبصر لإدراكه.
ولما كان من الممكن أن يدعي مطموس البصيرة أنه كان لهم نوع خير، قال على طريقة إرخاء العنان :﴿ولدار﴾ أي الساعة أو الحالة ﴿الآخرة﴾ أي التي وقع التنبيه عليها بأمور تفوت الحصر منها دار الدنيا فإنه لا تكون دنيا إلا بقصيا ﴿خير للذين اتقوا﴾ أي حملهم الخوف على جعل الائتمار والانزجار وقاية من حياة أهون مآلها الموت، وإن فرض فيها من المحال أنها امتدت ألف عام، وكان عيشها كله رغداً من غير آلام.
ولما كان تسليم هذا لا يحتاج فيه إلى أكثر من العقل، قال مسبباً عنه منكراً عليهم مبكتاً لهم :﴿أفلا تعقلون﴾ أي فيتبعوا الداعي إلى هذا السبيل الأقوم. أ هـ ﴿نظم الدرر حـ ٤ صـ ١١٠ ـ ١١٣﴾


الصفحة التالية