ولما كان من يتكبر - وهو عالم بأنه مأخوذ - أشد لوماً ممن يجهل ذلك قال :﴿وما كانوا﴾ أي الذين ذكروا هذا كلهم، كوناً ما ﴿سابقين﴾ أي فائتين ما نريدهم، بأن يخرجوا من قبضتنا، بل هم في القبضة كما ذكرنا أول السورة وهم عالمون بذلك ﴿فكلاً﴾ أي فتسبب عن تكذيبهم وعصيانهم أن كلاًّ منهم ﴿أخذنا﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿بذنبه﴾ أخذ عقوبة ليعلم أنه لا أحد يعجزنا ﴿فمنهم من أرسلنا عليه﴾ إرسال عذاب يا له من عذاب! ﴿حاصباً﴾ أي ريحاً ترمى لقوة عصفها وشدة قصفها بالحجارة كعاد وقوم لوط ﴿ومنهم من أخذته﴾ أخذ هلاك وغضب وعذاب، وعدل عن أسلوب العظمة لئلا يوهم الإسناد في هذه إليه صوتاً ليوقع في مصيبة التشبيه ﴿الصيحة﴾ التي تظهر شدتها الريح الحاملة لها الموافقة لقصدها فترجف لعظمتها الأرض كمدين وثمود ﴿ومنهم من﴾ وأعاد أسلوب العظمة الماضي لسلامة من الإيهام المذكور في الصيحة وللتنبيه على أنه لا يقدر عليه غير الله سبحانه ففيه من الدلالة على عظمته ما يقصر عنه الوصف فقال :﴿خسفنا به الأرض﴾ بأن غيبناه فيها كقارون وجماعته ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ بالغمر في الماء كقوم نوح وفرعون وجنوده، وعذاب قوم لوط صالحٌ للعد في الإغراق والعد في الخسف، فتارة نهلك بريح تقذف بالحجارة من السماء كقوم لوط، أو من الأرض كعاد، وأخرى بريح تقرع بالصرخة الأسماع فتزلزل القلوب والبقاع، ومرة نبيد بالغمس في الكثيف وكرة بالغمر في اللطيف - فللّه درّ الناظرين في هذه الأوامر النافذة، والمتفكرين في هذه الأقضية الماضية، ليعلموا حقيقة قوله ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء﴾ - الآية.